كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

لفظُ القرآنِ مقصودٌ لمعنى لا يُستحصَلُ بغيرِهِ قطُّ ؛ فـ(أَو) ليست بمعنى (بل)

لفظُ القرآنِ مقصودٌ لمعنى لا يُستحصَلُ بغيرِهِ قطُّ ؛ فـ(أَو) ليست بمعنى (بل): في منشورٍ لِّي تفضَّلَ علَيَّ أَحدُ الإِخوةِ الموقرينَ مُعلِّقًا بسؤالٍ عن مضمونِ مقطعٍ منشورٍ عن دَلالةِ (أَو) قائلًا: ((دكتور حبيبي ردت تحليلك النحوي والبلاغي لهذا الفديو لا سيما (أو) ...)) فله ، وللقارئِ الكريمِ جوابي الاجتهاديُّ المختصُّ هذا تدبُّرًا في ضوءِ المعرفةِ القرآنيةِ التي يتبصَّرُ في ضوئِها المُدبِّرُ فيوضًا دَلاليةً عميقةً وواسعةً جدًّا من حركةٍ نحويةٍ ، أَو حرفٍ واحدٍ ؛ فهذا كلامُ اللٰهِ الذي لا يُبلغُ مَكنونُه: إِنَّ (أَو) هنا للتخييرِ المقصودِ لِما بعدَها بمُقدِّمةِ ما قبلَها ، وليس بمعنى (بل) فلو كان المقصودُ (بل) لقال تعالى: (بل) فاللفظُ القرآنيُّ مقصودٌ بذاتِهِ لدَلالةٍ لا تتحصَّلُ إِلا منه. إِنَّ (بل) تدُلُّ على الإِضرابِ ؛ فإِذا وقعت بين معنيَينِ متقابلَينِ أَحدُهما حقيقةٌ والآخرُ زيفٌ فصلَت بينَهما ببيانٍ لا ريبَ فيهِ نحوَ قولِ تعالى: ﴿ولا تَقولُوا لِمَن يُّقتَلُ في سَبيلِ اللٰهِ أَمواتٌ بل أَحياءٌ ولكِن لَّا تَشعُرونَ﴾ [البقرة/١٥٤] ؛ فالحقيقةُ التي دلَّت عليها (بل) هي (أَحياءٌ) وقد أَضربَت بها عن الزيفِ وهو (أَمواتٌ) ، ونحوَ قولِهِ تعالى: ﴿وإِذا قيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنزَلَ اللٰهُ قالوا بَل نَتَّبِعُ ما أَلفَينا علَيهِ آباءَنا ...﴾ [البقرة/١٧٠] ؛ فـ(ما أَنزَلَ اللٰهُ) حقيقةٌ ، و(ما أَلفَينا علَيهِ آباءَنا) زَيفٌ قد بيَّنتهُ (بل) بالموازنةِ بينَهما. أَمَّا أَو فلا تُوازِنُ بل تُخيِّرُ نحوَ (من جاءَ زيدٌ أَو خالدٌ) فالاختيارُ الصحيحُ لواحدٍ منهما فقط. إِذًا ؛ ما معنى (أَو) في قولِهِ تعالى: ﴿... أَفَإِن ماتَ أَو قُتِلَ انقَلَبتُم على أَعقابِكُم ...﴾ [آل عمران/١٤٤] ؟ هنا لم تَدُلَّ (أَو) على التخييرِ لأَنه اللٰهَ تعالى هو الأَعلمُ بسببِ رحيلِه (صلَّى اللٰـهُ عليه وآلِه) بالموتِ الاعتياديِّ أَو بالقتلِ فكيفَ يجعلُهما معًا وللقارئِ أَن يَّختارَ حاشَ للهِ تعالى. وليست للإِضرابِ بمعنى (بل) لأَنها لم تقعْ بين زيفٍ وحقيقةٍ. فما معناها إِذًا. معناها هنا - واللٰهُ أَعلمُ - هو التخييرُ المقصودُ ، لا التخييرُ المتروكُ للقارئِ ؛ فالرسولُ (صلَّى اللٰـهُ عليه وآلِه) قد مات أَولًا موتًا معنويًّا وجوديًّا عندَ المنافقينَ والكافرينَ والمشركينَ الذين كانُوا يرَونَ بقاءَهُ حيًّا ضربًا لمصالحِهِم وأَهوائِهم ؛ فحاربُوهُ بما تمكنوا قصدًا منهم لإِماتةِ هَدْيِهِ ووعظِهِ ، وافتعلُوا عليهِ البدعَ والأَقاويلَ والتضليلَ في كلِّ ما تمكنوا منه في القرآنِ ، والتفسيرِ ، والتأويلِ ، والحديثِ ، والسُّنة. والرسولُ (صلَّى اللٰـهُ عليه وآلِه) قد قُتِلَ فعلًا مسمومًا. ولو لم يكن مَن سَمَّهُ قد أَماتَهُ أَولًا من قلبِه بُغضًا لَمَا أَقدَمَ على قتلِهِ مسمومًا ؛ فوقعَ التمهيدُ بالموتِ قبلَ (أَو) ثم جاء الحسمُ بالقتلِ بعدَها قصدًا لهما معًا لا تركًا لأَحدِهما من دونِ الآخرِ. أَمَّا (أَو) في قولِهِ تعالى: ﴿...وما أَمرُ السّاعةِ إِلَّا كَلَمحِ البَصَرِ أَو هُوَ أَقرَبُ ...﴾ [النحل/٧٧] ؛ فللتخييرِ المقصودِ طرفاهُ الاثنانِ معًا قبلَها وبعدَها كذلكَ ، وليست للتخيبرِ المتروكِ فيه أَحدُ طرفَيها ؛ فـ(لَمحِ البصرِ) هو التمهيدُ الذي تكونُ عليهِ حقيقةُ الساعةِ وهو ما يتمكنُ منه الإِنسانُ ؛ فكُلُّنا نتمكنُ من (لَمحِ البصرِ) وهو من الأَفعالِ الإِراديةِ التي نفعلُها إِذا شئنا بمشيئةِ اللٰهِ تعالى. وهذا التمهيدُ مقصودٌ لا متروكٌ ؛ لأَنه هو الواقعُ الموجودُ عندنا ؛ لكن هل يقِفُ حدُّ السرعةِ القصوى عند (لَمحِ البصرِ) الذي يتمكنُ منه الإِنسانُ ؟ الجوابُ: لا ؛ لا يتوقفُ ؛ فما (لَمحُ البصرِ) إِلَّا تمهيدٌ ممكنٌ لحقيقةِ سرعةٍ غيرِ ممكنةٍ لدينا نحنُ البشرَ ، وهي ممكنةٌ لدى اللٰهِ تعالى ، وهي (هو أَقربُ) أَي أَنَّ أَمرَ الساعةِ عندَ اللٰهِ تعالى (أَقربُ) من (لَمحِ البصرِ) الذي عندَنا نحن البشَرَ ؛ فالسرعتانِ حقيقتانِ مقصودتانِ لا يجوزُ اختيارُ إِحداهما وتركُ الأُخرى ؛ واحدةٌ البشرِ ممكنةٌ هي (لَمحُ البصرِ) ولا تُترَكُ ، وأُخرى ممكنةٌ للهِ تعالى وحدَهُ وهي (أَقربُ) ولا تُترَكُ. إِذا كانت (أَو) هنا بمعنى (بل) فستكونُ الدلالةُ إِضرابًا بينَ زيفٍ وحقيقةٍ وهذا مُحالٌ أَن يَّجرِيَ على كلامِ اللٰهِ تعالى ؛ فلا يَجوزُ جعلُ (ماتَ) زيفًا أُضرِبَ عنهُ ، و(قُتِلَ) حقيقةً أُضرِبَ إِليها ، ولا يَجوزُ جعلُ (لَمحِ البصرِ) زيفًا أُضرِبَ عنهُ ، و(هو أَقربُ) حقيقةً أُضرِبَ إِليها ؛ لأَنَّ حُكمَ اللٰهِ تعالى حقيقةٌ في مستويَينِ بينَ تمهيدٍ نتمكنُ نحنُ منهُ ، وحقيقةٍ إِلٰهيةٍ لا نتمكنُ نحن منها. اللغةُ العربيةُ قصديةٌ ؛ لا يحِلُّ لفطٌ فيها محلَّ آخَرَ قطُّ ؛ فإِن حلَّ تغيَّر المعنى المقصودُ ؛ فـ(الرسولُ) غيرُ (النبيِّ) ولا يُمكنُ لأَيٍّ منهما إِعطاظُ دَلالةِ الأُخرى في مواردِها القرآنيةِ. واللٰهُ أَعلمُ. م/ أُباركُ لهذا الفتى عن هذه النعمةِ العلميةِ - القرآنيةِ التي وُفِّقَ لها وإِن كان ما تفضَّل به ليس صوابًا كما بيَّنتُ.  

✦ كتابات في الميزان ✦

يناقش المقال دقة الاختيار اللفظي في القرآن الكريم، متخذًا من دلالة حرف العطف «أو» مدخلًا للتمييز بين التخيير والإضراب الذي تؤديه «بل». ويقدّم الكاتب اجتهادًا تدبريًا في عدد من الآيات، مؤكدًا أن استبدال لفظ قرآني بآخر يغيّر المعنى المقصود. وتفتح القراءة بابًا للنقاش اللغوي والتفسيري حول تعدد دلالات الحروف بحسب السياق القرآني.

القرآن.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!