لقد مثّل مبدأ "حصر السلاح بيد الدولة" ثابتًا جوهريًا وركيزة أساسية في بيانات وخطب وتوجيهات المرجعية الدينية العليا في النجف الأشرف منذ عام 2003 وحتى اليوم. وعلى الرغم من تعاقب العواصف الأمنية والتهديدات الوجودية والمنعطفات الخطيرة التي مرّت بها البلاد، دعت المرجعية مرارًا وتكرارًا في أحلك الظروف إلى أن تكون القوة والسلاح حصريًا بيد المؤسسات الرسمية للدولة.
1. مرحلة الفراغ الأمني وتأسيس العملية السياسية (2003)
الحدث الأمني: سقوط النظام السابق، حدوث فراغ أمني شامل، انتشار أعمال السلب والنهب، وبداية العمليات المسلحة ضد قوات الاحتلال وتشكيل الفصائل الأولى.
موقف المرجعية: دعت إلى حفظ النظام العام، وحماية ممتلكات الدولة والمواطنين، وضرورة تسليم الأمور للسلطات المحلية والوطنية، وعدم السماح بالفوضى المسلحة خارج إطار القانون.
2. ذروة العنف الطائفي والحرب الأهلية (2004 - 2006)
الحدث الأمني: تصاعد عمليات العنف الطائفي، وتفجير مرقد الإمامين العسكريين (ع) في سامراء عام 2006، وانتشار الميليشيات والعصابات الإجرامية وفرق الموت.
موقف المرجعية: شددت المرجعية بشكل حاسم على منع الانزلاق نحو الحرب الأهلية، وأكدت أن حفظ الأمن وحمل السلاح يجب أن يكون حصريًا بيد الأجهزة الأمنية الرسمية للوقوف بوجه الفتنة وعدم السماح بتشكيل كيانات مسلحة خارج مظلة الدولة.
3. عمليات "فرض القانون" ومواجهة المجموعات الخارجة عن القانون (2007 - 2008)
الحدث الأمني: تطبيق خطط فرض القانون في بغداد وعدد من المحافظات، وصولة الفرسان في البصرة، ومواجهة المجموعات الخارجة عن القانون وتفلّت السلاح.
موقف المرجعية: باركت ودعمت الخطط الأمنية التي تقودها الدولة لبسط سلطتها، وأكدت أن لا سلاح يعلو فوق سلاح الدولة ولا جهة يحق لها ممارسة الدور الأمني سوى القوات المسلحة والشرطة الرسمية.
4. اجتياح داعش واحتلال المدن (2014)
الحدث الأمني: سقوط مدينة الموصل ومحافظات أخرى بيد تنظيم "داعش" الإرهابي، وتهديد العاصمة بغداد والمقدسات.
موقف المرجعية: أصدرت فتوى "الجهاد الكفائي"، ورغم الطابع الاستثنائي لهذه الفتوى لمواجهة خطر وجودي داهم، فقد حرصت المرجعية على التأكيد منذ اللحظة الأولى على أن المتطوعين يجب أن يكونوا تحت إشراف وقيادة الدولة وتحت مظلتها الرسمية، معتبرةً أن الهدف النهائي والاستراتيجي هو خضوع جميع القوى الأمنية لسلطة الدولة.
5. حرب التحرير وعودة الاستقرار العسكري (2015 - 2017)
الحدث الأمني: العمليات العسكرية الكبرى لتحرير المدن العراقية من سيطرة تنظيم داعش حتى إعلان النصر النهائي في أواخر 2017.
موقف المرجعية: دعت مرارًا خلال خطب الجمعة إلى ضرورة الحفاظ على انضباط القوات الأمنية ومقاتلي الحشد تحت إمرة القائد العام للقوات المسلحة، مع التأكيد المستمر على وضع الأطر القانونية والمؤسساتية الصحيحة لتنظيم السلاح وضبطه رسميًا.
6. احتجاجات تشرين وظاهرة "السلاح المنفلت" (2019 - 2021)
الحدث الأمني: اندلاع التظاهرات الشعبية الواسعة، وما رافقها من توترات أمنية، وازدياد ظاهرة استخدام السلاح خارج إطار الدولة وتحديات "السلاح المنفلت".
موقف المرجعية: وجهت انتقادات حازمة لظاهرة السلاح المنفلت، مؤكدة في بياناتها ولقاءاتها مع المسؤولين والقيادات المحلية والدولية على وجوب اتخاذ خطوات جادة وحاسمة لحصر السلاح بيد الدولة ومنع أي جهة من فرض إرادتها بقوة السلاح.
7. مرحلة الاستقرار النسبي والتثبيت المؤسسي (2022 - 2026)
الحدث الأمني: تراجع العمليات الإرهابية الكبرى والانتقال نحو مرحلة الاستقرار السياسي والأمني النسبي، مع استمرار التحديات المرتبطة بضبط الحدود وخلايا الإرهاب ومخلفات السلاح غير المرخص.
موقف المرجعية: تواصل المرجعية الدينية في لقاءاتها المتكررة مع القيادات السياسية والمسؤولين والوفود الأممية التشديد على مبدأ "حصر السلاح بيد الدولة" كشرط أساسي لا غنى عنه لتحقيق السيادة الكاملة، وبناء دولة المؤسسات، وتحقيق الاستقرار الشامل.
إن استقراء مواقف المرجعية عبر هذه المحطات يثبت أن رؤيتها ظلت ثابتة لا تتغير بتغير الأنظمة أو الظروف؛ فقد دعت لحصر السلاح بيد الدولة في مرحلة الفوضى (2003)، وفي الحرب الطائفية (2006)، وفي مواجهة داعش (2014)، وفي أزمة السلاح المنفلت (2020)، وصولاً إلى الوقت الحالي، منطلقةً من قناعة راسخة بأن هيبة الدولة وسلامة مواطنيها مرتبطان ارتباطاً وثيقاً بانتفاء وجود أي سلاح خارج المؤسسات الدستورية والرسمية.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!