كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

هندسة الأجيال في ظلال [ الآية ١٥ من سورة الأحقاف]

قال تعالى : [ وَوَصَّيۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ بِوَٰلِدَيۡهِ إِحۡسَٰنًاۖ حَمَلَتۡهُ أُمُّهُۥ كُرۡهٗا وَوَضَعَتۡهُ كُرۡهٗاۖ وَحَمۡلُهُۥ وَفِصَٰلُهُۥ ثَلَٰثُونَ شَهۡرًاۚ حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُۥ وَبَلَغَ أَرۡبَعِينَ سَنَةٗ قَالَ رَبِّ أَوۡزِعۡنِيٓ أَنۡ أَشۡكُرَ نِعۡمَتَكَ ٱلَّتِيٓ أَنۡعَمۡتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَٰلِدَيَّ وَأَنۡ أَعۡمَلَ صَٰلِحٗا تَرۡضَىٰهُ وَأَصۡلِحۡ لِي فِي ذُرِّيَّتِيٓۖ إِنِّي تُبۡتُ إِلَيۡكَ وَإِنِّي مِنَ ٱلۡمُسۡلِمِينَ ] .

تتحدث هذه الآية المباركة ( الأحقاف : 15 ) بلسانِ إنسانٍ بلغَ ذروة النضج العقلي والبدني ، يلهجُ بالدعاء لوالديه من جهة ، ولذريته من جهة أخرى .
إلّا أنّ النص القرآني يحمل في طياته أبعاداً تتجاوز الحدود الفردية ، ليرسم ملامح نظام الأجيال الاجتماعي كاملاً .
فالأربعون سنة هنا ليست مجرد رقم ، بل هي عمر ( جيل قائد ) تربع على عرش الحياة ، وبات يدير عصب شؤونها : الإدارية ، والسياسية ، والعسكرية ، والاقتصادية ، والتربوية .
هذا الجيل الذي يمسك اليوم بزمام القيادة ، يقف في نقطة ارتكازٍ بين زمنين ، فهو يدين بالوفاء والولاء لجيلٍ سابق تسلّم منه الراية ، وفي الوقت ذاته ينوء بأعباء إعداد جيلٍ لاحق سيفوّض إليه الأمر ويحمّله المسؤولية .
ومن هذا المنطلق ، تتجلى حكمة التشريع في جعل الأربعين حدّاً فاصلاً ، فإذا كان معدل العمر البيولوجي للإنسان ( الذي يناهز 73 عاماً ) قصيراً في حساب الزمن ، فإنّ عمره الفاعل والعطاء الحقيقي كجزء من جيل يقود الأمة ، هو أقصر من ذلك بكثير ، إذ يكاد يقترب من النصف فقط ..!
وهذا التلازم بين الأجيال الثلاثة ( الآباء ، والجيل الحاضر ، والأبناء ) في آية واحدة ، يؤكد أن حركة التاريخ لا تصنعها الطفرات المفاجئة ، بل يصنعها التواتر السلس . إنها عملية تسليم وتسلّم منظمة للطاقة البشرية ، حيث تمثل الأربعون سنة ( العصر الذهبي ) للعطاء الإنساني ، والتي لو أحسنت الأمم استثمارها في القيادة والبناء ، لضمنت خلود حضارتها واستقرار مجتمعاتها .
ويتجلى هذا الناموس الإلهي بأبهى صوره في اختيار السماء لزمن البعثة النبوية المشرفة ، فلم يكن هبوط الوحي على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في سن الأربعين مصادفة زمنية ، بل كان إعلاناً إلهياً بأن هذا العمر هو ميقات الأمانة الكبرى ، واللحظة التي تكتمل فيها أهليّة الإنسان لقيادة التحولات الكبرى في تاريخ البشرية . إن بعثته في هذا السن تؤكد عملياً أن الأربعين هي بوابة النهوض بالأمم ، وحمل رسالات التغيير ، والقدرة على الموازنة بين حكمة الشيوخ وعزيمة الشباب .

✦ كتابات في الميزان ✦

يقرأ المقال الآية الخامسة عشرة من سورة الأحقاف بوصفها خريطة قرآنية لترابط ثلاثة أجيال: الآباء، والجيل الحاضر، والذرية المقبلة. ويجعل من بلوغ الأربعين مرحلة اكتمالٍ للنضج وتحمل الأمانة، حيث يجمع الإنسان بين الوفاء لمن سبقه وإعداد من سيأتي بعده. ويؤكد أن استقرار الأمم لا تصنعه القفزات المفاجئة، بل حسن انتقال الخبرة والمسؤولية والقيم بين الأجيال.

القرآن.jpg

الوسوم ذات الصلة:

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!