كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

المنهج النبوي في إدارة الضغوط النفسية / 6 .. إدارة الغضب

الغضب في اللغة مشتق من مادة «غ ض ب»، وتدل في أصلها على الشدة والقوة، ومنها «الغَضْبة»، وهي الصخرة الصلبة الشديدة.

ويعرّفه ابن منظور في «لسان العرب» بأنه نقيض الرضا، ويُقال: «غَضِبَ عليه»، أي سَخِط واحتدم عليه، و«غَضِبَ له»، أي ثار لحمايته والدفاع عنه.

أما في علم النفس، فإن الغضب: «عاطفة تتميز بالتوتر والعداء الناجمين عن الإحباط، أو الأذى، أو الظلم المتصور، سواء كان حقيقياً أو خيالياً».

المصدر: الجمعية الأمريكية لعلم النفس (APA).

ويعرّفه الإمام الباقر (عليه السلام): «إن هذا الغضب جمرة من الشيطان توقد في قلب ابن آدم، وإن أحدكم إذا غضب احمرت عيناه وانتفخت أوداجه ودخل الشيطان فيه…».

ولرسول الله (صلى الله عليه وآله) بروتوكول كامل في إدارة الغضب، سواء ما كان وقايةً، كالنهي عنه وبيان فضل كظمه، أو علاجاً وتخفيفاً من شدته وآثاره، أو توجيهاً صحيحاً واستثماره في محله وفي رضا الله تعالى.

أما ما يخص النهي عنه والندب إلى تركه:

رُوي أنه: «أتى رسولَ الله رجلٌ بدوي، فقال: إني أسكن البادية، فعلّمني جوامع الكلام، فقال: آمرك ألّا تغضب. فأعاد عليه الأعرابي المسألة ثلاث مرات، حتى رجع الرجل إلى نفسه، فقال: لا أسأل عن شيء بعد هذا، ما أمرني رسول الله إلا بالخير».

أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب الغضب، الحديث 4.

ما رُوي عن معاذ بن أنس أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «مَن كظم غيظاً وهو قادر على أن ينفذه، دعاه الله سبحانه على رؤوس الخلائق يوم القيامة، حتى يخيّره من الحور العين ما شاء».

ورُوي عنه (صلى الله عليه وآله): «ما تجرّع عبد جرعة أفضل عند الله من جرعة غيظ كظمها لله، ابتغاء وجه الله».

كنز العمال: 5819.

وعنه (صلى الله عليه وآله): «من أحب السبيل إلى الله عز وجل جرعتان: جرعة غيظ تردّها بحلم، وجرعة مصيبة تردّها بصبر».

الكافي: 2/110/9.

وعنه (صلى الله عليه وآله): «من كف غضبه كف الله عنه عذابه».

البحار: 73/263/7.

أما ما يخص طرق علاج الغضب والتخلص منه أو التخفيف من شدته وأثره:
ما رُوي عن أبي ذر الغفاري (رضي الله عنه) أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «إذا غضب أحدكم وهو قائم فليجلس، فإن ذهب عنه الغضب، وإلا فليضطجع».
وعن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «ألا وإن الغضب جمرة في قلب ابن آدم، أما رأيتم إلى حمرة عينيه وانتفاخ أوداجه؟ فمن أحس بشيء من ذلك فليُلصق بالأرض».
ما رُوي عن سليمان بن صرد (رضي الله عنه): «كنت جالساً مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، ورجلان يستبّان، فأحدهما احمرّ وجهه وانتفخت أوداجه، فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): إني لأعلم كلمة لو قالها ذهب عنه ما يجد، لو قال: أعوذ بالله من الشيطان، ذهب عنه ما يجد. فقالوا له: إن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: تعوّذ بالله من الشيطان، فقال: وهل بي جنون؟».
ما رُوي عن عبد الله بن عباس أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «علّموا ويسّروا ولا تعسّروا، وبشّروا ولا تنفّروا، وإذا غضب أحدكم فليسكت».

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): «يا علي، لا تغضب، فإذا غضبت فاقعد وتفكر في قدرة الرب على العباد وحلمه عنهم، وإذا قيل لك: اتق الله، فانبذ غضبك، وراجع حلمك».

تحف العقول: 14.

أما توجيهه واستثماره:

فالغضب ليس كله مذموماً، فما كان لله وفي الله فهو من الغضب المقدس، وذلك عندما يزن الإنسان الأمور بميزان العقل والشرع والعدل، وهو خُلُق يتصف به الأنبياء والأولياء لحماية الحق.

فمن كلام رسول الله، وهو يخاطب ابنته الصديقة فاطمة (عليهما السلام): «إن الله يغضب لغضبك ويرضى لرضاك».

وتتعرض النصوص الشريفة، قرآناً وروايات، إلى قائمة من أشكال الغضب الممدوح:

يذكر لنا القرآن الكريم غضب نبي الله موسى (عليه السلام) كانفعال غيرة على الدين، وليس انتصاراً للنفس، فغضب عندما رجع من ميقات ربه، ووجد قومه يعبدون عجل السامري:

﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَىٰ إِلَىٰ قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾.

الأعراف: 150.

ومما يُروى في غضب النبي (صلى الله عليه وآله) من أجل صلاة الجماعة، ما جاء في البخاري عن أبي مسعود: «أتى رجلٌ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقال: إني لأتأخر عن صلاة الغداة من أجل فلان، مما يطيل بنا فيها. قال: فما رأيت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قط أشد غضباً في موعظة منه يومئذ، ثم قال: يا أيها الناس، إن منكم منفّرين، فأيكم ما صلّى بالناس فليوجز، فإن فيهم الكبير والضعيف وذا الحاجة».

ومن كلام أمير المؤمنين، وكلامه كلام رسول الله (صلوات الله عليهم أجمعين):

عنه (عليه السلام): «من شنئ الفاسقين وغضب لله، غضب الله له وأرضاه يوم القيامة».

نهج البلاغة: الحكمة 31.

وعنه (عليه السلام): «مَن أحدّ سنان الغضب لله قوي على قتل أشداء الباطل».

وعنه (عليه السلام)، عند الوداع مع أبي ذر لما سيّره عثمان إلى الربذة: «يا أبا ذر، إنك إنما غضبت لله عز وجل، فارجُ من غضبت له. إن القوم خافوك على دنياهم، وخفتهم على دينك، فأرحلوك عن الفناء وامتحنوك بالبلاء. ووالله، لو كانت السماوات والأرض على عبد رتقاً، ثم اتقى الله عز وجل، جعل له منها مخرجاً، فلا يؤنسك إلا الحق، ولا يوحشك إلا الباطل…».

الكافي: 8/207/251.

آجركم الله بذكرى شهادة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).

✦ كتابات في الميزان ✦

يقدّم المقال منهجاً نبوياً متكاملاً لإدارة الغضب، يبدأ بالوقاية وكظم الغيظ، ويمتد إلى تغيير وضعية الجسد والصمت والاستعاذة والتفكر. كما يميّز بين غضب النفس المذموم والغضب لله المنضبط بالعقل والشرع والعدل. وتبرز أهمية النص في تحويل الروايات إلى وسائل عملية لحماية الإنسان وعلاقاته من آثار الانفعال.

الغضب.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!