كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

 يُتْمُ الأنبياء.. رعايةٌ سماويَّة وصناعةٌ إِلهيَّة (1)

 إن المتأمل في سير الأنبياء والرسل يجد أن المحن والابتلاءات كانت جزءاً لا يتجزأ من طفولتهم وحياتهم ، ومن أبرز هذه الابتلاءات اليُتم ، وهو فقدان الأب أو كلا الوالدين في سن صغيرة. ولم يكن تجرع مرارة اليتم مجرد مصادفة ، بل كان ترتيباً إلهياً دقيقاً ، وحكمة بالغة مهدت الطريق لحمل أمانة الرسالة وثقل النبوة .

وتتعدد الأبعاد والحِكم الإلهية التي تربط بين تجربة اليتم القاسية والإعداد لحمل النبوة ، حيث تتجلى هذه العلاقة عبر شواهد تاريخية واضحة في سير الأنبياء ، وقد اخترنا منهم أربعة من أولي العزم كان هذا الجانب في حياتهم بارزاً وجليّاً ، وهم : إبراهيم ، وموسى ، وعيسى ، ومحمد ، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين . ولكل منهم تجربة فريدة مع اليتم -إن صح التعبير - نفصلها فيما يلي :

أما نبي الله إبراهيم عليه السلام ، فقد حدّثنا القرآن الكريم عن اليتم العقدي الذي ابتُلي به ، إذ كان أبوه آزر - وهو عمه أو جده أو من نشأ في ظله - على غير عقيدته وقناعاته ، بل كان سائراً في دين قومه وعبادتهم وتوجهاتهم الفكرية ، قال تعالى : ﴿وَإِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِيمُ لِأَبِيهِ ءَازَرَ أَتَتَّخِذُ أَصۡنَامًا ءَالِهَةً إِنِّيٓ أَرَاكَ وَقَوۡمَكَ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ﴾ [الأنعام: 74] .

فالغربة الفكرية والاجتماعية التي عاشها إبراهيم لم تنحصر في بيئته ومجتمعه فحسب ، وإنما تسللت إلى بيته ولأقرب الناس إليه ، وهذا أشدّ اليتم وأقساه ، خاصةً وأن آزر كان مدافعاً شرساً عن عقيدة الشرك ، ولهذا جاء رده حاداً وقاسياً على إبراهيم : ﴿ قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنۡ ءَالِهَتِي يَٰٓإِبۡرَٰهِيمُۖ لَئِن لَّمۡ تَنتَهِ لَأَرۡجُمَنَّكَۖ وَٱهۡجُرۡنِي مَلِيّٗا ﴾ [مريم: 46] ، فكان الاعتزال هو الحل والملجأ : ﴿ وَأَعۡتَزِلُكُمۡ وَمَا تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَأَدۡعُواْ رَبِّي عَسَىٰٓ أَلَّآ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّي شَقِيّٗا ﴾ [مريم: 48] .

بذلك عاش إبراهيم عليه السلام يُتمين : يتم الأسرة والمجتمع ، ويتم الفكر والعقيدة . إلا أن الله جل وعلا أغدق عليه من النعم ما يعوضه عن ذلك كله ، فصار رائد التوحيد ، وأباً صلبياً للأنبياء ، وروحياً للرسالات ، قال تعالى : ﴿ فَلَمَّا ٱعۡتَزَلَهُمۡ وَمَا يَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَهَبۡنَا لَهُۥٓ إِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَۖ وَكُلّٗا جَعَلۡنَا نَبِيّٗا * وَوَهَبۡنَا لَهُم مِّن رَّحۡمَتِنَا وَجَعَلۡنَا لَهُمۡ لِسَانَ صِدۡقٍ عَلِيّٗا ﴾ [مريم: 49-50] .

وأما يُتْمُ نبي الله موسى -عليه السلام- فقد كان من لونٍ آخر ، إذ تجسّد في غربة الروح ، والنشوء في مهد العدوّ ومرباه : [ وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ * فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ] [القصص: 7، 8] .

لقد كان موسى -عليه السلام- واعياً بهويته ، مدركاً أنه ينتمي إلى مستضعفي بني إسرائيل لا إلى جبابرة آل فرعون . فصار يعيش غربةً مركّبة : غربةً داخل ردهات القصر المُترَف ، وغربةً بين أبناء قومه المقهورين . كان يمشي على حدِّ السيف كما يقال ، يُداري ولاءً شكلياً يفرضه بلاط الملك ، ويكتم عاطفةً جياشةً ونصرةً عميقة للمظلومين . وفي هذا المناخ المشحون ، كانت أيّ هفوةٍ أو إيماءة تعاطف كفيلةً بأن تودي بحياته .

وهنا تجلّت المعجزة ، ففي الوقت الذي كان فرعون يظن أنه يُربّي طفلاً ليكون امتداداً لملكه ، كانت الإرادة الربانية تصرّف الأمور لغايةٍ أخرى ، مصداقاً لقوله تعالى : [وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِي] [طه: 39] .

فـإن الصناعة على عين الله  تعني أن كل تفاصيل الخوف والغربة والعيش في بيت العدو .. لم تكن عبثاً ، بل كانت إعداداً إلهياً دقيقاً ، يُجرَّد موسى من تدبير البشر ليُلقى في حنان التدبير السماوي .

بلغت هذه المعاناة الروحية ذروتها حينما وضعه القدر أمام مشهدٍ حرج : رجل من حاشية الطاغية يبطش برجلٍ من مستضعفي قومه . فلم يملك إلّا أن ينتصر للحق ، فوكز الخصمَ وكزةً أفضتْ إلى موته .

هنا .. تحوّل الخوف النفسيّ الكامن في نفسه إلى خطر ملموس يهدد وجوده ، وبعد أن أهدر فرعون دمه ، خرج موسى من مصر خائفاً يترقب ، لتُطوى بذلك صفحةُ المعاناة والمداراة تحت سقف القصر ، وتبدأ رحلةٌ كبرى صاغتها الرعاية الإلهية على أرض المشقّة والحرية .

القسم الثاني .. يتبع

✦ كتابات في الميزان ✦

يرى المقال أن اليُتم في حياة الأنبياء لم يكن حرمانًا مجردًا، بل محطةً في مسار الرعاية الإلهية والإعداد لتحمّل أعباء الرسالة. ومن خلال تجربتي النبيين إبراهيم وموسى (عليهما السلام)، يكشف النص صورًا متعددة لليتم؛ منها الغربة العقدية والاجتماعية والنشأة في كنف العدو، مؤكدًا أن المحنة قد تتحول بعناية الله إلى طريق للصناعة الربانية.

الانبياء.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!