[إدارة الخوف] - القسم الثاني
ومِمَّا كان يُعالج به النبيُّ صلى الله عليه وآله حالات الخوف والهلع ، مبادرته إلى إعادة بناء الثقة في النفوس عقب الهزائم النفسية ، وذلك بأسرع وقت ومستغلاً أقرب فرصة ، لا سيّما إذا كان الخوف حالةً جمعيّةً سائدة ، ومن تطبيقاتها :
● تكتيك "حمراء الأسد" وصدمة الارتداد :
ففي أعقاب الهزيمة التي مُنيَ بها المسلمون في معركة " أُحُد " ـ وما رافقها من انكسار جراء مخالفة الأوامر النبوية ، واستبداد مشاعر الخيبة بقلوب ألِفَت النصر الإلهي في "بدر" ـ عمدَ الرسول إلى اتخاذ إجراء استباقي غير متوقع . فقبل أن يستوطن شعور الانكسار وجدان المسلم ، قرر ملاحقة جيش مكة بقيادة أبي سفيان لقطع طريق عودتهم ، في واقعةٍ خلّدها التاريخ باسم "غزوة حمراء الأسد" .
وقعت هذه الغزوة في اليوم التالي مباشرة لمعركة أُحُد ، لتكون امتداداً لها ، ونُسبت إلى منطقة "حمراء الأسد" الواقعة على بُعد ثمانية إلى عشرة أميالٍ جنوب المدينة المنورة .
ولتحقيق الغاية النفسية المطلوبة ، اشترط النبيّ ألّا يخرج معه إلّا من شهدَ المعركة بالأمس ، وكأنه يرمي بذلك إلى محو آثار المرارة الجسدية والنفسية ، وإعادة صياغة الثقة في نفوس مَن انكسروا . كما انطوى هذا القرار على رسالتين : أولاها لقريش بأن الجراح لم تفُتّ في عضد المسلمين ، وثانيها للمنافقين واليهود داخل المدينة بأن شوكة المسلمين ما زالت قوية .
تحرّك الجيش النبوي بقوام سبعمئة مقاتل ، وعند وصولهم إلى "حمراء الأسد"أمر النبيُّ بإيقاد خمسمئة شعلة نار ليلاً ، لإيهام العدوّ بوجود عدد كبير من المقاتلين .
آثرت قريش السلامة أمام هذا الثبات ، وسارعت بالانسحاب نحو مكة دون قتال ، ليوثّق القرآن الكريم هذا الموقف الاستثنائي في سورة آل عمران بقوله تعالى : [ الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ ۚ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ ] . وبذلك نجح النبيُّ في استعادة الهيبة العسكرية ، وتأمين المدينة ، وتبديد مخاوف أصحابه .
● المواجهة المباشرة واحتواء الذعر :
وثمَّة أسلوب نبويّ آخر تنقله لنا بطون السير في إدارة المخاوف ، يتجسد في "المواجهة المباشرة" للمصدر وتفقد طبيعتهِ بنفسه لتطمين العامّة .
عن أنس بن مالك قال : " كان رسول الله أحسن الناس ، وأجود الناس ، وأشجع الناس " . ويقول : "وقد فزع أهل المدينة ليلةً ، إذ سمعوا صوتاً " ـ وكان المسلمون آنذاك يعيشون حالة ترقّب دائم خوفاً من مباغتة الأعداء والمنافقين ، فلما دَوّى صوت مجهول من خارج المدينة ليلاً ، استبدّ بهم الظنّ أنه جيش غازٍ يوشك أن يباغتهم ـ ، يتابع أنس قائلاً : " فتلقّاهم النبيُّ على فرسٍ لأبي طلحة عُرْيٍ ( بلا سرج ) ، وهو متقلدٌ سيفه ، فقال : لم تُراعوا ، لم تُراعوا " ـ أي لا خوف عليكم ، فقد تفقدتُ الأمر ولم أجد ما يريب ـ ثم قال عن الفرس : "وجدته بحراً " إشادةً بسرعته في تلبية النداء واحتواء الأزمة قبل تفاقمها .
الى هنا نكتفي بذكر بعض النقاط المهمة من المنهاج النبوي الخاص بمعالجة حالة الخوف ، ونترك للقارىء البحث عن علاجات أخرى وردت عنه صلوات الله وسلامه عليه تساعد على تبديد المخاوف التي قد تنتاب الشخص ، منها ( قولية ) : كالدعاء ببعض النصوص والاستعاذة ، أو ( فعلية ) كالصلاة والوضوء ..
♤♤♤♤
٢. [ إدارة الحزن ]
الحزن في اللغة ضد الفرح والسرور ، وقال الفيروزآبادي في المحيط : الحُزن ( بالضم ويتحرك بالفتح : الحَزَن ) هو الهم والغم ، وجمعه أحزان .
وتُعرّف الجمعية الأمريكية لعلم النفس (APA) الحزن (Sadness) بأنه حالة عاطفية طبيعية ومؤقتة من التعاسة ، تتراوح شدتها من خفيفة إلى شديدة ، وتحدث عادةً نتيجة لاستجابة واضحة تجاه خسارة شيء أو شخص ذي قيمة عالية .
والحزن هو أحد : المشاعر الإنسانية الستة الأساسية التي حددها عالم النفس الأمريكي بول إيكمان (Paul Ekman) في سبعينيات القرن الماضي ، وأثبت أنها عواطف فطرية وعالمية يتشاركها جميع البشر في كل الثقافات ، ويُعبَّر عنها بنفس تعابير الوجه الدقيقة وهي : [ السعادة ، الحزن ، الخوف ، الغضب ، المفاجأة ، والاشمئزاز ] .
ويُذكر أيضاً أن الحزن رغم كونه شعوراً مؤلماً ، إلا أنه يمتلك وظائف تكيفية هامّة لحماية الصحة العقلية ، حيث يعمل على :
+ التنبيه الفكري : يدفع العقل للتوقف ومراجعة القرارات الحياتية بعد الخسارة .
+ طلب الدعم : تعبيرات الحزن (كالبكاء) ترسل إشارات اجتماعية غير لفظية للمحيطين لتقديم المساعدة والتعاطف .
+ التعافي النفسي : يسمح للنظام العاطفي بتفريغ الشحنات السلبية الناتجة عن الصدمات بدلاً من كبتها .
ولغريزة الحزن - وجميع المشاعر الإنسانية - في المنظومة الإسلامية مساحة واسعة ، تهذيباً وتوجيهاً ومعالجة .. نحاول استقصاء شيء منها من منظور السيرة النبوية المباركة .
وسيرة النبيّ مشحونة بمشاعر الحزن صلوات الله عليه ، منها ما يتعلق بالدعوة الإسلامية وما واجهه هو خاصة والذين آمنوا برسالته بشكل أعم من أذى وصدود من قبل الفئات التي واجهتهم ، من مشركين ومنافقين وأهل كتاب ..
ومنها ما يتعلق بفقده للأحبّة ، حتى سمّى العام الذي مات به أبو طالب وأم المؤمنين خديجة عليهما السلام بعام الحزن ..
ويمكن تلخيص المنهج النبوي في التعامل مع الحزن عبر المحاور التالية :
١. حزن بدون جزع : ففي الوقت الذي كان رسول الله صلى الله عليه وآله يسمح به في إطلاق مشاعر الحزن والتعبير عنه ، ولكن بنفس الوقت يعطيه مساحته وحدوده اللازمة ، فكان صلى الله عليه وآله ينهى عن النياحة وشق الثياب والصراخ ..
● وسائل الشيعة للحر العاملي .. عن عمرو بن أبي المقدام قال : سمعت أبا الحسن وأبا جعفر (ع) يقول في قول الله عز وجل : ( ولا يعصينك في معروف ) قال : إن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قال لفاطمة (ع) : إذا أنا مت فلا تخمشي عليّ وجهاً ولا ترخي علي شعراً ولا تنادي بالويل ولا تقيمن علي نائحة ، ثم قال : هذا المعروف الذي قال الله عز وجل : ( ولا يعصينك في معروف ) .
● وعنه صلى الله عليه وآله وسلم : " ليس منّا من ضرب الخدود وشق الجيوب " ( مستدرك الوسائل 1/144 ) .
٢. الاستعانة بالعبادة : فقد ورد أنه صلى الله عليه وآله إذا حزبه أمر ( أي نزل به كرب أو حزن ) فزع إلى الصلاة . وكان يقول لمؤذنه : ( أرحنا بها يا بلال ) ، حيث يجد في مناجاة الله السكينة والمخرج من ضيق الدنيا . وكان يداوم على أدعية مخصوصة لطرد الهم والحزن ، مثل : « لا إله إلا الله العظيم الحليم ، لا إله إلا الله رب العرش العظيم ...»
ومنها الاستعاذة اليومية : حيث كان يكثر من قول : « اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ ...» .
٣. الرضا بالقضاء والقدر : فعند وفاة ولده إبراهيم قال : ( إنَّ العَيْنَ تَدْمَعُ ، والْقَلْبَ يَحْزَنُ ، ولا نَقُولُ إلَّا ما يَرْضَى رَبُّنَا ) .
٤. تجنب أسباب الحزن : وكان صلى الله عليه وآله طبيباً حاذقاً للروح والنفس ، يشخّص الداء ويصفُ الدواء .
● عنه ( صلى الله عليه وآله ) : [ من نظر إلى ما في أيدي الناس ، طال حزنه ودام أسفه ] . أعلام الدين : ٢٤٩
● وعنه ( صلى الله عليه وآله ) : رب شهوة ساعة تورث حزناً طويلا ] أمالي الطوسي : 533 / 1162
● وعن الإمام الصادق ( عليه السلام ) : لما نزلت هذه الآية : ( لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم ولا تحزن عليهم واخفض جناحك للمؤمنين ) ، قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : [ من لم يتعز بعزاء الله تقطعت نفسه على الدنيا حسرات ، ومن رمى ببصره إلى ما في يد غيره كثر همه ولم يشف غيظه ] البحار : 77 / 116 / 11.
● وعنه ( صلى الله عليه وآله ) : [ أنا زعيم بثلاث لمن أكب على الدنيا : بفقر لا غناء ، له وبشغل لا فراغ له ، وبهم وحزن لا انقطاع له ] البحار : 73 / 81 / 43 .
● وعنه ( صلى الله عليه وآله ) : [ إن الله – بحكمه وفضله – جعل الروح والفرح في اليقين والرضا ، وجعل الهم والحزن في الشك والسخط ] تحف العقول : 6 .
● وعنه ( صلى الله عليه وآله ) : [ أيها الناس هذه دار ترح لا دار فرح ، ودار التواء لا دار استواء ، فمن عرفها لم يفرح لرجاء ، ولم يحزن لشقاء ] أعلام الدين : 343 .
٥. وأما علاج الحزن : فنذكر بعض ما روي عنه صلوات الله وسلامه عليه /
● قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : [قول : ( لا حول ولا قوة إلا بالله ) فيه شفاء من تسعة وتسعين داء ، أدناها الهمّ ] قرب الإسناد : 76 / 244
● وعنه ( صلى الله عليه وآله ) : أمان لأمتي من الهمّ : ( لا حول ولا قوة إلا بالله ، لا ملجأ ولا منجى من الله إلا إليه ) ] مكارم الأخلاق : 2 / 334 .
● وعنه ( صلى الله عليه وآله ) : [ من أكثر الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجا ، ومن كل ضيق مخرجا ، ورزقه من حيث لا يحتسب ] أعلام الدين : 294
الحزن المندوب إليه في الإسلام .. يأتي
✦ كتابات في الميزان ✦
يواصل النص بناء فكرة موفقة في قراءة السيرة النبوية من زاوية إدارة المشاعر، فينتقل من استعادة الثقة بعد الخوف ـ كما في حمراء الأسد وموقف فزع أهل المدينة ـ إلى إدارة الحزن دون إنكار طبيعته الإنسانية. وتبرز قوته في الجمع بين الموقف النبوي والتفسير النفسي المعاصر


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!