[ إدارة الحزن ] - القسم الثاني
يُمكن تقسيم الحزن في المنظور الإسلامي بصفةٍ إجمالية إلى حزنٍ محمود وآخر مذموم ، وذلك بالنظر إلى أسبابه وبواعثه ، غاياته وما يدفع إليه من سلوك وعمل :
أولاً / أما الحزن المحمود والراجح : فيُحمد الحزن في الإسلام في سياقات مخصوصة ، بوصفه دليلاً نابضاً على حياة القلب ، ويقظة الضمير ، وقوة الإيمان .
ومن تجلياته :
》الحزن على التقصير والذنب : وهو كمد الروح عند فوات طاعة ، أو الانكسار بين يدي الله إثر اقتراف معصية ، وهو عتبٌ نفسيٌّ مبارك يقود إلى عتبة التوبة والإنابة .
》الحزن على غياب الأولياء وأهل الصلاح : وهو الأسى الذي يورثه فقدُ منارات الهدى ، أو ما يقع عليهم من ظلامة وجور .
》الحزن على مصائب المسلمين : وهو الألم الوجداني النبيل لما يصيب الأمة من محن ورزايا ، وهو التجسيد العملي لقول النبي صلى الله عليه وآله : "مَثَلُ المؤمنين في توادِّهم وتراحمهم وتعاطفهم مثلُ الجسد الواحد " ، فالمؤمن لا يعيش لنفسه ، بل ينبض بوجع أمتِه .
》حزن المصلحين والقادة : وهو الحزن الرسالي الشريف الذي يستبد بقلوب الأنبياء والدعاة شفقاً على أقوامهم الذين أعرضوا عن الهُدى ونأوا عن سفينة النجاة .
》الحزن الفطري الجبلّي : وهو ما يفيض به الوجدان بسبب فجيعة فقد الأحبة أو نزول الابتلاءات ، وهو حزنٌ مأذونٌ فيه شرعاً ، ما دام منضبطاً بحدود الصبر ، وليس فيه ما يشير الى السخط والجزع والاعتراض على قضاء الله وقدره .
ثانياً / الحزن المذموم : أما إذا تمخّض الحزن عن حطام الدنيا وزينتها الفانية ، أو بات ذريعةً لترك طاعة ، أو مسوغاً لاقتراف معصية ، أو تمددَ ليتجاوز أسوار المشروعيّة ساجناً صاحبه في عتمة اليأس والانكفاء .. فعندئذٍ يصبح حزناً مرجوحاً ، بل محرّماً ومنهياً عنه ، لأنه يورث العجز ، ويهدّ قوى السعي ، ويقطع حبال الأمل بالمدد الإلهي .
■ شواهد ومصاديق من الوحي والسيرة : ونستعرض بعضاً منها /
● مصداق الحزن على فوات الطاعة : وهذا تجلّى في أبهى صوره القرآنية في وصف "البكائين" الذين استبد بهم الوجد لعدم قدرتهم على الجهاد ، فقال تعالى: ﴿ وَلَا عَلَى ٱلَّذِينَ إِذَا مَآ أَتَوۡكَ لِتَحۡمِلَهُمۡ قُلۡتَ لَآ أَجِدُ مَآ أَحۡمِلُكُمۡ عَلَيۡهِ تَوَلَّواْ وَّأَعۡيُنُهُمۡ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمۡعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُواْ مَا يُنفِقُونَ﴾ [التوبة: ٩٢] . إنها دموع الروح الحزينة لا لدنيا فاتتها ، بل لقُربةٍ لم تدركها .
● مصداق الحزن على فراق الأولياء : ويبرز في زفرات يعقوب عليه السلام على غياب يوسف : ﴿وَتَوَلَّىٰ عَنۡهُمۡ وَقَالَ يَٰٓأَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُفَ وَٱبۡيَضَّتۡ عَيۡنَاهُ مِنَ ٱلۡحُزۡنِ فَفهُوَ كَظِيمٞ ﴾ [يوسف: ٨٤ ] .
كما تجسد في الموقف النبوي الشريف عندما أبصر النبي صلى الله عليه وآله شهداء أُحد يبكيهم ذووهم ، وجاء المدينة فلم يجد من يبكي أسد الله وعمه حمزة ( وقد مُثِّل بجسده الشريف ) ، فهاجت لواعج الشوق والوفاء في صدره وقال بأسى : "ولكنَّ حمزةَ لا بواكيَ له" ، في إشارة إلى مشروعية الحزن البشري على عظيم الفقد .
● مصداق حزن المصلحين ( الحزن الرسالي ) :
وهو الحزن الذي كاد أن يودي بحياة الداعي شفقةً على المدعوين ، كمثل حال النبي الذي خاطبه ربه مشفقاً عليه ومخففاً من شدّة حزنه : ﴿لَعَلَّكَ بَٰخِعٞ نَّفۡسَكَ أَلَّا يَكُونُواْ مُؤۡمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٣] ، و"البَخْع" هو إهلاك النفس غماً وحزناً شديداً .
● مصداق الحزن الفطري : ويتجلى في الخوف والأسى الطبيعي الذي يعتري القلوب الضعيفة أمام مصائب الفقد ، كما في قصة أم موسى : ﴿وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰٓ أُمِّ مُوسَىٰٓ أَنۡ أَرۡضِعِيهِۖ فَإِذَا خِفۡتِ عَلَيۡهِ فَأَلۡقِيهِ فِي ٱلۡيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحۡزَنِيٓۖ إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيۡكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ ٱلۡمُرۡسَلِينَ﴾ [القصص: ٧] . فجاء النهي هنا تطييباً لقلبها ، وربطاً على فؤادها ، وبشارة بفرجٍ يمحو أثر الأسى .
■ وأما المذموم من الحزن ، فإن مصاديقه المنهي عنها في الإسلام كثيرة، غير أن آية سورة آل عمران وضعت محددًا نفسيًا ، وقانوناً إيمانياً يكاد يكون جامعاً مانعاً لغايات هذا الحزن وأسبابه ، وذلك في قوله تعالى : ﴿كَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٣] .
إن هذه الآية ترسم الهندسة النفسية للمؤمن ، فالحزن المذموم يدور بين قطبين : التحسّر على ما فات ( الماضي الذي لا يرجع ) ، أو الهلع مما أصاب ( الواقع الذي لا يرتفع ) . والقرآن بقراره هذا يقطع دابر الاجترار النفسي العقيم ، ويوجه طاقة الإنسان نحو التسليم بالقضاء والقدر ، والانطلاق نحو العمل والإنتاج بدلاً من الغرق في بحار الأسى المُقعِد .
[ إدارة الغضب ] .. تأتي
✦ كتابات في الميزان ✦
يقدّم النص رؤية إسلامية متوازنة للحزن، فلا ينكره بوصفه شعورًا إنسانيًا فطريًا، بل يفرّق بين حزن يوقظ الضمير ويدفع إلى التوبة والتراحم والعمل، وآخر يستنزف الإنسان ويحبسه في اليأس والعجز. ومن خلال شواهد القرآن والسيرة، يؤكد أن إدارة الحزن لا تعني قمع المشاعر، وإنما توجيهها بالصبر والرجاء والتسليم لله، لتتحول من ألمٍ مُقعِد إلى قوة روحية تعين الإنسان على مواصلة الحياة.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!