كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

الذكاء الاصطناعي (2) .. بين تحرير المعرفة وأخلاق الاستعمال

كنت قد تناولت في الجزء الأول من هذه المقالة الذكاء الاصطناعي من زاوية تتصل بحقيقة هذه التقنية وطبيعة عملها، وبما أحاط بها من انبهار دفع بعض الناس إلى أن ينسبوا إليها من الوعي والفهم وإدراك الخفايا ما لا تدل عليه حقيقة تكوينها، في مقابل اتجاه آخر بالغ في التهوين من شأنها بسبب ما يقع في أجوبتها من خطأ أو اضطراب.
وكان المقصود هناك أن نضع هذه الأداة في موضعها الصحيح: فلا نخلع عليها من صفات الإنسان ما لم يثبت لها، ولا ننكر في الوقت نفسه ما وصلت إليه من قدرة هائلة على معالجة المعلومات وتحليلها وتوليدها. 
فإذا كان السؤال في الجزء الأول هو: ما حقيقة هذه الآلة، وما الذي يصح أن ننسبه إليها؟ فإنني أتناول هنا سؤالًا آخر: ما القيمة التي يصح أن ننسبها إلى وجودها وانتشارها؟ وهل تكون التقنية في ذاتها عنوانًا للتحرير والتنوير، حتى يصبح التحفظ عليها أو التحذير من بعض آثارها موقفًا من المعرفة نفسها؟
وقد دفعني إلى هذه الزاوية أنني قرأت مقالة لأحد الأساتذة الكرام، تناول فيها الذكاء الاصطناعي بروح شديدة التفاؤل، ورأى فيه تحولًا حضاريًا كبيرًا يعيد توزيع المعرفة والقوة في المجتمع. 
ويمكن رد أبرز ما قامت عليه المقالة إلى ثلاثة محاور.
أولها: أن الذكاء الاصطناعي أحدث ثورة في إتاحة المعرفة؛ إذ أصبح الفرد قادرًا على الاستعانة بأداة تشرح له، وتلخص، وتقارن، وتترجم، وتعينه في الوصول إلى ما كان يحتاج من قبل إلى مؤسسات ومكتبات وخبرات وموارد واسعة، ومن هنا عُدَّ خطوة كبرى في طريق «ديمقراطية المعرفة» وكسر احتكارها.
وثانيها: أن جانبًا من التخويف من هذه التقنية مردّه، في هذا التصور، إلى فئات تهددها خسارة سلطتها المعرفية أو الاجتماعية؛ ولذلك ظهر في المقال تقسيم لجهات التخوف بين «المحتكرين» و«الكهنة»، ممن يُفترض أنهم ينتفعون من بقاء المعرفة بعيدة عن الناس أو من استمرار حاجتهم إلى الوسيط.
وثالثها: أن الطريق الصحيح في مواجهة هذا التحول هو الانخراط فيه، وإعادة بناء التعليم على التفكير والتحليل بدل الاقتصار على التلقين والحفظ، وتوسيع البنية الرقمية، ووضع تشريعات تحمي الخصوصية والأخلاق من غير أن تعوق الابتكار.
ولا يصعب الاتفاق مع قدر كبير من هذا الكلام، فالذكاء الاصطناعي أداة عظيمة النفع، وقد وسّع قدرة الإنسان على البحث والترجمة والتعليم والتنظيم والتحليل، ومن الخطأ أن نقابل كل جديد بالخوف، أو أن نتمسك بأشكال قديمة من العمل لمجرد أنها مألوفة، أو نحارب أداة نافعة لأنها ستغير بعض المهن وطرائق أدائها.
غير أن الإعجاب بالتقنية شيء، وتحويلها إلى معيار أخلاقي للحكم على الموافق والمخالف شيء آخر.
فالقول إن بعض الناس قد يخشون الذكاء الاصطناعي لأنه يهدد مصالحهم قول ممكن، بل لا غرابة أن يوجد أستاذ يخشى على موقعه، أو صاحب مهنة على دخله، أو جهة على نفوذها، لكن الانتقال من إمكان وجود هؤلاء إلى تفسير جانب واسع من التحذير من التقنية بأنه دفاع عن الاحتكار أو انتفاع من الجهل يحتاج إلى دليل أكبر من مجرد احتمال المصلحة.
فالإنسان قد يقول حقًا بدافع سيئ، وقد يقول باطلًا بدافع حسن؛ ولذلك لم تكن معرفة الدافع بديلًا عن مناقشة الدليل، وإذا حذر طبيب من استعمال معين للذكاء الاصطناعي، أو عالم من خطر تقني، أو مربٍّ من أثر تربوي، فلا يكفي في الرد عليه أن نفتش عما قد يخسره من مكانة أو وظيفة، بل ينبغي أن نسأل: هل الخطر الذي يحذر منه حقيقي؟ وهل حجته صحيحة؟
فالمعارف لا تُختبر بالنوايا، والحجج لا تسقط باتهام أصحابها.
ثم إن ثمة إشكالًا أعمق في وصف الذكاء الاصطناعي نفسه بأنه أداة للتحرير أو التنوير في جوهره؛ لأن الآلة لا تحمل أخلاق مستخدمها، وإنما تمنحه قدرة إضافية يفعل بها ما أراد ضمن حدود استطاعته.
فالطبيب يستطيع أن يستعين بها في تشخيص مرض، والمعلم في تقريب فكرة، والباحث في تنظيم مادة، وصاحب الخير في توسيع نفعه؛ لكن صاحب الشر يستطيع أن يستعين بها أيضًا في إحكام الاحتيال، وتطوير التضليل، وصناعة التزييف، وتوسيع أثر الجريمة.
ومن هنا فالأدق أن نقول: إن الذكاء الاصطناعي يضاعف القدرة، ولا يخلق الفضيلة.
وكلما عظمت قدرة الأداة اتسعت منافعها ومخاطرها معًا، وليس في ذلك انتقاص منها؛ فالسيارة التي تنقل المريض إلى المستشفى يمكن أن تستعمل في الهرب من جريمة، والمطبعة التي نشرت كتب العلم طبعت الخرافة أيضًا، والإنترنت الذي فتح أبواب المكتبات فتح في الوقت نفسه أبوابًا لا تحصى للتضليل والانحراف.
ولذلك لا يكون انتشار الأداة في نفسه انتشارًا للخير، كما لا يكون التحذير من بعض استعمالاتها انحيازًا إلى الشر، وإنما يظهر الخير والشر في الغاية، وطريقة الاستعمال، والآثار، والضوابط التي تحكم القوة الجديدة.
وهنا تبرز مسألة أخرى تستحق التأمل، وهي وصف الذكاء الاصطناعي أحيانًا كأنه وسيط محايد جاء ليحرر الإنسان من سلطة الوسطاء السابقين.
صحيح أن النماذج الحديثة لا تعمل بالطريقة البسيطة التي كان يعمل بها البرنامج التقليدي؛ فالمبرمج لا يكتب كل جواب ستنتجه الآلة، وقد تتوصل الأنظمة إلى مسارات وحلول لم يحدد أحد تفاصيلها خطوة خطوة، لكن هذا الاستقلال في توليد المخرجات لا يعني أنها أصبحت مستقلة عن الجهات البشرية التي تملك النموذج، وتضع سياسات استخدامه، وتحدد ما يفتح للمستخدم وما يغلق عنه.
ونحن نشاهد ذلك في الاستعمال اليومي؛ فقد يرفض النظام الدخول في بعض المجالات، أو يمتنع عن تقديم بعض أنواع المحتوى، أو يقيد أجوبته بقواعد أخلاقية وقانونية، أو يحجم عن إعادة إنتاج كتاب أو مادة تخضع لحقوق النشر، وليس ذلك لأن الآلة اجتمعت بنفسها ووضعت لنفسها ميثاقًا أخلاقيًا، وإنما لأن الذين أنشؤوا النظام وأداروه وضعوا له حدودًا وسياسات تتحكم في مجال عمله.
وهذا أمر مفهوم، بل قد يكون ضروريًا، لكنه يكشف أن الذكاء الاصطناعي لم يضع الإنسان أمام «المعرفة الخالصة» بلا وسيط؛ بل أوجد وسيطًا من نوع جديد، تقف وراءه شركات ومؤسسات ومبرمجون وتشريعات وسياسات.
ومن هنا تظهر مفارقة جديرة بالانتباه: قد يساعد الذكاء الاصطناعي على كسر احتكار قديم للمعرفة، ولكنه قادر في الوقت نفسه على إنشاء صور جديدة من احتكار القوة؛ لأن امتلاك أقوى النماذج ومراكز الحوسبة والبيانات والبنية التحتية ليس متاحًا بالتساوي لجميع الناس، ولذلك فإن سؤال: من يملك الأداة؟ لا يقل أهمية عن سؤال: ماذا تستطيع الأداة أن تفعل؟
ثم إن الحديث عن أن الذكاء الاصطناعي فتح أبواب المعرفة يحتاج إلى شيء من التقييد؛ لأن أبوابًا واسعة منها كانت قد فتحت قبل ظهوره بزمن طويل.
فالإنترنت سبق النماذج التوليدية بسنوات كثيرة في إحداث تحول معرفي هائل، نزلت آلاف المكتبات إلى الشبكة، ورُقمنت ملايين الكتب والمخطوطات والدوريات، وظهرت الموسوعات المفتوحة، ومحركات البحث، والمنصات التعليمية، والمكتبات الجامعية وقواعد البيانات، وأصبح في وسع طالب العلم في بلد بعيد أن يحمل في جهاز صغير من الكتب ما لم تكن بعض المكتبات الكبرى تجمعه في أزمنة سابقة.
ولهذا ربما كان التمييز الأدق أن نقول: إن الإنترنت وسّع إتاحة المعرفة، أما الذكاء الاصطناعي فقد وسّع القدرة على التعامل معها.
فالتحول الجديد ليس أن الكتاب أصبح موجودًا بين يدي الإنسان فقط، بل أن هناك من يقرؤه معه، ويلخصه له، ويجيبه عنه، ويقارن بينه وبين غيره، ويترجمه ويعيد صياغته في لحظات.
وهذه قفزة كبيرة بالفعل، لكنها تفتح سؤالًا جديدًا بدل أن تغلق سؤال الوسيط.
فحين كنت أصل إلى الكتاب بنفسي، كنت أقرأ كلام مؤلفه مباشرة، أما حين أسأل نموذجًا عما في الكتاب، فقد دخل بيني وبين النص طرف يعيد بناء محتواه ويختار منه ويختصره ويفسره، وربما أصاب في ذلك وربما أخطأ.
فهل ألغينا الوسيط، أم أننا استبدلنا وسيطًا بوسيط؟
والسؤال لا يراد منه التقليل من فائدة الوسيط الجديد، وإنما التنبيه إلى أن وساطته ينبغي أن تكون مرئية في وعينا، فسهولة الجواب قد تجعلنا ننسى المسافة بين النص الأصلي وبين الصورة التي أعاد النموذج تقديمه بها.
ومن هنا نصل إلى أمر لا يقل أهمية: الفرق بين إتاحة المعلومة وامتلاك المعرفة.
إن وجود آلاف كتب الطب بين يدي إنسان لا يجعله طبيبًا، كما أن وجود دواوين الفقه والحديث والأصول في جهازه لا يجعله فقيهًا، وامتلاكه مكتبة ضخمة في الهندسة لا يمنحه خبرة المهندس.
فالتخصص ليس في أصله مؤامرة لاحتكار المعرفة، وإنما هو نتيجة طبيعية لتعقيدها.
ولا أنكر أن من المتخصصين من قد يحجب علمه أو يتعالى به أو يستثمر حاجة الناس إليه، كما يفعل أصحاب المصالح في كل مجال. لكن معالجة هذا الانحراف شيء، وإلغاء الحاجة إلى التخصص شيء آخر.
فالمعرفة ليست العثور على العبارة فقط؛ وإنما فهمها، وربطها بما قبلها وما بعدها، وتمييز الصحيح من الضعيف، والعام من الخاص، والنظرية من موضع تطبيقها، وتقدير القرائن والملابسات، ثم تحمل مسؤولية الحكم الذي يبنى على ذلك كله.
ولهذا فإن تحرير الإنسان من احتكار المعلومة لا يعني تحريره من الحاجة إلى الخبرة.
بل لعل من المخاطر الجديدة أن تمنح هذه الأنظمة غير المتخصص إحساسًا بالتخصص؛ لأن الجواب يأتيه مرتبًا، واضحًا، قوي العبارة، فيتوهم أن المسافة بين الحصول على جواب وبين امتلاك العلم قد اختفت.
ولم تختفِ هذه المسافة.
وربما قيل هنا: إذا كنا نطالب بوضع الضوابط والتشريعات وحماية الخصوصية والأخلاق، فهذا وحده دليل على أن التحذير من آثار الذكاء الاصطناعي لا يمكن اختزاله في خوف أصحاب الامتيازات. فالحاجة إلى الضبط اعتراف بأن في القوة الجديدة إمكانات للضرر كما فيها إمكانات للنفع.
ولا تناقض بين الأمرين.
يمكن للإنسان أن يكون شديد الحماسة للذكاء الاصطناعي، كثير الاستفادة منه، وفي الوقت نفسه شديد الحذر من بعض آثاره. كما يستطيع أن يحب السيارة ويطالب بقوانين المرور، وأن ينتفع بالدواء ويحذر من استعماله من غير ضابط، فالحذر ليس دائمًا خصومة، والضبط ليس رفضًا، والتقدم لا يقتضي أن نعطل ملكة النقد أمام كل ما هو جديد.
ومن هنا لا أرى أن من المفيد تقسيم الناس إلى معسكر للتنوير يحتفي بالذكاء الاصطناعي، ومعسكر للاحتكار والجهل يخاف منه، ففي الفريقين أصحاب مصالح وأصحاب مبادئ، وعلماء وجهلاء، ومصيبون ومخطئون.
والأجدر أن تناقش الأفكار بما تستحقه من الدليل.
فالذكاء الاصطناعي ليس خصمًا ينبغي أن نهزمه، ولا مخلصًا ينبغي أن نهتف له. إنه قدرة جديدة أضافها الإنسان إلى قدراته، وكلما ازدادت القدرة ازدادت معها المسؤولية.
ولهذا ربما كان السؤال الصحيح أوسع من: هل نحن مع الذكاء الاصطناعي أم ضده؟
السؤال هو: من يملك هذه الأداة؟ ومن يحدد مساراتها وحدودها؟ وفي أي مجال ينبغي أن نستعين بها؟ وما الذي يصح أن نفوضه إليها، وما الذي ينبغي أن يبقى تحت المراجعة البشرية؟ وكيف نميز بين جواب مقنع وجواب صحيح؟ ومتى تكون سهولة الوصول إلى الجواب توسيعًا للمعرفة، ومتى تتحول إلى استغناء وهمي عن المعرفة نفسها؟
وفي الجزء الأول كان الحديث عن خطأ أن نخلع على الآلة وعي الإنسان وشعوره وقصده، وهنا أضيف: لا ينبغي كذلك أن نخلع عليها أخلاق الإنسان، فنجعل التقنية في ذاتها عادلة أو ظالمة، منوّرة أو مظلمة، محررة أو مستعبدة.
هذه الصفات تبدأ حين تدخل الأداة في عالم المقاصد البشرية والقيم والاختيارات.
فالآلة تمنحنا القدرة، أما ماذا نصنع بهذه القدرة فذلك سؤالنا نحن.
ويبقى بعد ذلك سؤال أكثر دقة: إذا كانت هذه الآلة قادرة على تقديم الجواب والتحليل والترجيح، فما مقدار الحجية التي يجوز أن نعطيها لمخرجاتها؟ ومن يتحمل المسؤولية حين نعمل بجوابها ثم يظهر خطؤه؟ وما موقعها في التعليم والطب والاجتهاد والإبداع؟
ولكل واحد من هذه الأسئلة حديث مستقل.

محمد البغدادي

الذكاء.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!