أصبح الذكاء الاصطناعي من أكثر الموضوعات حضورًا في الحديث العام، بعد أن تجاوز دوائر المختصين إلى التعليم والطب والإعلام والأدب وسائر مجالات الحياة. وقد رافق انتشار تطبيقاته، ولا سيما نماذجه التوليدية، انبهار واسع بقدرتها على محاورة الإنسان، وتحليل كلامه، وتوليد النصوص والصور، وربط المعلومات بسرعة مذهلة. غير أن هذه الدهشة أوجدت حوله هالة تجاوزت حقيقته التقنية، حتى تعامل معه بعض الناس كأن وراء الشاشة ذاتًا تعي كلامهم، وتدرك مشاعرهم، وربما تعرف ما يخفونه في نفوسهم.
وأسهم بعض صنّاع المحتوى في رسم صورتين متقابلتين له، كلتاهما بعيدة عن النظر العلمي المنصف: صورة تبالغ في قدراته، فتقدمه كأنه يقرأ الأفكار ويكتشف الأسرار؛ وصورة تستخف به، فتتعمد عرض أخطائه وإجاباته الغريبة أو المضحكة، لتخلص منها إلى أنه لا يستحق وصف الذكاء أصلًا. وهكذا تأرجح الخطاب الإعلامي بين انبهار يخلع على الآلة وعيًا لم يثبت امتلاكها له، وسخرية تنكر ما حققته من قدرات فعلية؛ مع أن إصابة الذكاء الاصطناعي لا تجعله عقلًا واعيًا، كما أن خطأه لا يجعله نظامًا عديم القيمة.
فالذكاء الاصطناعي لا يقرأ الأفكار ولا يرجم بالغيب، كما أنه ليس عقلًا كاملًا معصومًا من الخطأ؛ وإنما يبني استجابته على ما يقدمه المستخدم من معطيات، وما يستخرجه من كلامه من قرائن، وما تعلمه من أنماط واسعة. وقد يكشف الإنسان، من خلال مفرداته وطريقة سؤاله وموضوعاته المتكررة وحالته الانفعالية، أشياء لا ينتبه إلى أنه كشفها؛ فإذا استنتج النظام منها أمرًا صحيحًا، توهم أنه اطلع على شيء خفي. وقد يسيء النظام فهم السؤال أو يرجح جوابًا غير مناسب، فينتج إجابة خاطئة أو مثيرة للسخرية. وفي الحالين لا تخرج النتيجة عن المعطيات والقرائن والعمليات الاحتمالية التي يقوم عليها النظام.
وتشبه الدهشة بإصاباته، من جهة معينة، دهشة بعض الناس بفتّاحي الفأل والمنجمين وقارئي الكف؛ فقد يبدأ أحدهم بعبارات ترتفع احتمالات صدقها عند أكثر الناس: كوجود قلق، أو تعب متكرر، أو خلاف عائلي، أو أمر ينتظر الشخص نتيجته. ومن النادر أن يخلو أحد من بعض ذلك. ثم يستفيد من هيئة الشخص وعمره وطريقة حديثه وردود أفعاله، ويعدل كلامه بناء عليها، بينما يتذكر المستمع إصاباته وينسى أخطاءه.
ولا يعني التشبيه أن الذكاء الاصطناعي يمارس التدجيل؛ فالفارق كبير في طبيعة العمل والغاية. وإنما وجه الشبه هو الوهم الذي يقع فيه المتلقي حين ينسب إلى الطرف المقابل علمًا خفيًا، مع إمكان تفسير النتيجة بالقرائن والاحتمالات. وينبغي أيضًا الحذر من التجارب المصورة؛ فقد تكون مسبوقة بمحادثات أو معلومات محفوظة، أو أعيدت مرات عدة ثم نشرت المحاولة الناجحة وحدها، أو اقتطعت منها الأسئلة التمهيدية.
ولذلك ينبغي أن يقع تقويم هذه التقنية في المسافة الفاصلة بين التهويل والتهوين: فلا نحوّل نجاحها في الاستنتاج إلى دليل على الوعي وقراءة العقول، ولا نحوّل بعض أخطائها إلى دليل على انعدام فائدتها. فالسؤال العلمي ليس: هل أدهشتنا الآلة أو أضحكتنا؟ وإنما: ما طبيعة العمل الذي تؤديه، وما مقدار نجاحها فيه، وما الحدود التي تقف عندها؟
والذكاء الاصطناعي القائم بين أيدينا يقوم في عمله على عمليات رياضية وحسابية معقدة؛ فهو يتعلم العلاقات والأنماط من البيانات، ثم يولد ما يلائم السياق وفق البنية التي دُرّب عليها. وقد يقول: «أفهم ما تشعر به»، أو: «أرى أن هذا الرأي أقرب»، أو: «أعتذر عن الخطأ»، لكن استعمال لغة الفهم والرأي والاعتذار لا يثبت وجود فهم وجداني أو رأي شخصي أو ندم وراءها؛ فهذه تعبيرات يولدها النظام لأنها الأنسب للسياق.
وقد يصف الحزن ببلاغة من غير أن يكون قد ذاقه، وينشئ قصيدة غزلية من غير تجربة حب، أو رسالة اعتذار من غير شعور بالندم. فإتقان لغة الوعي لا يساوي ثبوت الوعي، ومحاكاة التعاطف ليست تجربة التعاطف. أما إمكان نشوء الوعي مستقبلًا عن نظام بالغ التعقيد، فذلك سؤال فلسفي آخر يحتاج إلى بحث مستقل، ولا يمكن حسمه بمجرد الانبهار بالمخرجات الحالية.
واستعانة الإنسان بالآلة في بعض الأعمال الذهنية لم تبدأ مع الذكاء الاصطناعي؛ فقد استعان بالحاسبة لإجراء العمليات الرياضية، ثم بالحاسوب وقواعد البيانات ومحركات البحث والأنظمة الخبيرة، وصولًا إلى النماذج التوليدية. ولا تسمى الحاسبة ذكاءً اصطناعيًا بالاصطلاح، لكنها تنتمي إلى المشروع نفسه من جهة أن الإنسان يفوض إلى الآلة بعض الأعمال التي تثقل عليه لتنجزها بسرعة ودقة أكبر.
غير أن التطور الحديث لا يتمثل في السرعة وحدها، بل يشمل طبيعة الخوارزميات، والتعلم من البيانات، واكتشاف الأنماط، والتعامل مع اللغة والصورة والصوت. فالآلة لم تعد تحسب الأرقام فقط، بل تجري عمليات معقدة على الأنماط اللغوية والصورية، ثم تقدم نتائجها في صورة حوار أو مقال أو ترجمة أو تصميم. ومع ذلك يظل هذا كله ثمرة للعقل البشري الذي صمم النظام وبرمجه ودربه وزوده بالبيانات.
ومن هنا تبدو بعض محاولات «هزيمة الذكاء الاصطناعي» ساذجة في أصل فكرتها؛ فتفوق الآلة في الحساب والحفظ وسرعة المعالجة ليس إهانة للعقل البشري، كما أن تفوق السيارة في السرعة ليس انتصارًا لها على الإنسان. فقيمة العقل لا تظهر في منافسة الآلة في الوظيفة التي صنعها لأجلها، بل في وضع مبادئها، وتحديد غاياتها، ومراجعة نتائجها.
وضخامة بيانات النظام لا تعني أنه يستحضرها كلها عند كل جواب؛ فلكل عملية كلفة من الزمن والطاقة والذاكرة والمال. ولذلك تختلف الخدمات العامة المحدودة عن الأنظمة المتخصصة التي تمتلكها المؤسسات الكبرى، لما تزود به الأخيرة من قدرة حاسوبية وقواعد بيانات موثوقة وأدوات للبحث والتحقق. وما زالت هذه التقنية في طور مبكر من تطورها؛ ولذلك قد تخلط بين المعلومات، أو تقدم جوابًا متماسك العبارة خاطئ المضمون. ومن المتوقع أن ترتفع دقتها بتطور البرمجيات والحوسبة وتنقية البيانات، من غير أن يعني ذلك بلوغ العصمة من الخطأ.
فالمشكلة ليست في أن الآلة زعمت أنها تقرأ عقولنا، بل في أننا قد نقرأ في مخرجاتها أكثر مما تسمح به حقيقة تكوينها، فنخلع على الحساب ثوب الوعي، وعلى الترجيح صفة القصد، وعلى محاكاة الشعور حقيقة الشعور. والسؤال الصحيح ليس: هل يستطيع عقلي أن يغلب الذكاء الاصطناعي؟ بل: هل نفهم حدود الأداة التي صنعناها، ونحسن توظيفها، ونميز بين الجواب المقنع والجواب الصحيح؟
أما الوعي والحجية والمسؤولية وآثار الذكاء الاصطناعي في التعليم والاجتهاد والإبداع، فلكل منها حديث مستقل.
وللكلام بقية.
محمد البغدادي


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!