من الشبهات التي تُثار حول النهضة الحسينية أن الإمام الحسين (عليه السلام) بعدما وصلته أخبار استشهاد سفيره مسلم بن عقيل، وتفرّق أهل الكوفة عنه، كان ينبغي أن يرجع إلى مكة أو المدينة، أو أن يعتزل الصراع؛ لأن الهدف الذي خرج من أجله قد انتهى، أما استمراره في المسير فقد أدى إلى وقوع مأساة كربلاء.
وتبدو هذه الشبهة لأول وهلة منطقية، لكنها تقوم على قراءة مجتزأة للأحداث، إذ تتعامل مع النهضة الحسينية وكأنها مشروع سياسي يعتمد على كثرة الأنصار فقط، بينما تكشف النصوص التاريخية أن أهداف الإمام الحسين (عليه السلام) كانت أعمق من مجرد الاستجابة لدعوة أهل الكوفة.
إن من الثابت تاريخيًا أن الإمام الحسين (عليه السلام) لم يخرج من المدينة اعتمادًا على رسائل الكوفيين وحدها، وإنما أعلن أهداف نهضته قبل وصوله إلى العراق، فقد كتب في وصيته لأخيه محمد بن الحنفية:
«إني لم أخرج أشِرًا ولا بطرًا، ولا مفسدًا ولا ظالمًا، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، وأسير بسيرة جدي وأبي علي بن أبي طالب.» (١)
وهذا النص يثبت أن رسائل أهل الكوفة كانت سببًا من أسباب التحرك، لكنها لم تكن الغاية الوحيدة للنهضة، إذ إن مشروع الإصلاح كان قائمًا قبل وصول تلك الرسائل.
ومن الناحية التاريخية، فإن الإمام الحسين (عليه السلام) لم يُخفِ خبر استشهاد مسلم بن عقيل عن أصحابه، بل أعلن ذلك صراحةً، وقال:
«قد خذلتنا شيعتنا، فمن أحب منكم الانصراف فلينصرف، ليس عليه منا ذمام.» (٢)
فتفرق عدد ممن كانوا قد التحقوا بالإمام طمعًا في النصر، وبقي معه أهل بيته وأصحابه الذين اختاروا البقاء عن وعيٍ وإيمان.
وهذا الموقف يكشف بوضوح أن الإمام لم يكن يسير بمنطق المغامرة، بل صارح أصحابه بحقيقة الموقف، وأعطاهم كامل الحرية في الانسحاب، ولم يُكره أحدًا على مواصلة الطريق.
ويُقال: لماذا لم يرجع الإمام بعد ذلك؟
والجواب أن الرجوع لم يعد خيارًا واقعيًا بعد أن قررت السلطة الأموية منعه من العودة. فقد أرسل عبيد الله بن زياد الجيوش لإغلاق الطرق، حتى التقى الإمام بجيش الحر بن يزيد الرياحي، ثم جاءت الأوامر الصريحة بألا يُترك الإمام يرجع إلى المدينة، ولا أن يتوجه إلى أي مكان آخر، حتى ينزل على حكم يزيد أو يُقاتل٣.
إذن، لم يكن الإمام يملك حرية العودة كما يتصور أصحاب هذه الشبهة، بل كان محاصرًا بقرار سياسي يقضي بإجباره على البيعة أو قتله.
بل إن الإمام حاول بكل الوسائل تجنب القتال، فقد عرض على عمر بن سعد ثلاثة حلول: أن يرجع من حيث أتى، أو أن يذهب إلى أحد ثغور المسلمين، أو أن يذهب إلى يزيد فيتحاور معه مباشرة، إلا أن عبيد الله بن زياد رفض جميع هذه المقترحات، وأصر على الاستسلام غير المشروط٤.
وهذا يثبت أن السلطة لم تكن تريد إنهاء الأزمة، وإنما كانت تريد إذلال الإمام الحسين (عليه السلام) بانتزاع البيعة منه بالقوة.
ومن الناحية العقلية، فإن التراجع عن المبدأ بعد انكشاف خيانة الناس لا يُعد حكمة، بل يُعد اعترافًا بانتصار الباطل. فالقائد المبدئي لا يغيّر موقفه لأن أنصاره قلّوا، وإلا لما بقي لأي مبدأ قيمة.
ولهذا عبّر الإمام الحسين (عليه السلام) عن ثباته بقوله:
«ألا وإن الدعي ابن الدعي قد ركز بين اثنتين: بين السلة والذلة، وهيهات منا الذلة، يأبى الله لنا ذلك ورسوله والمؤمنون.» (٥)
إن الإمام لم يجعل معيار قراره كثرة الأنصار أو قلتهم، وإنما جعل المعيار هو حفظ الكرامة والحق، لأن البيعة في تلك الظروف لم تكن تعني حقن الدماء، بل تعني منح الشرعية لحكم يزيد.
ومن الشواهد المهمة أيضًا أن الإمام الحسين (عليه السلام) كان يعلم أن كثيرًا من أهل الكوفة قد أُكرهوا على التخلي عنه بسبب سياسة الإرهاب التي مارسها عبيد الله بن زياد، حيث امتلأت السجون، وقُتل المعارضون، وفُرضت الرقابة على الناس، حتى أصبح مجرد التعاطف مع الإمام يُعرّض صاحبه للقتل أو الاعتقال٥.
ولذلك لم يُحمّل الإمام عامة أهل الكوفة مسؤولية ما جرى، بل كان يعلم أن أكثرهم وقعوا تحت سلطة القمع والخوف.
وقد أثبتت الوقائع اللاحقة أن الإمام كان محقًا في موقفه؛ فبعد أشهر قليلة اندلعت ثورة التوابين، ثم ثورة المختار الثقفي، وكلتاهما رفعت شعار الثأر للإمام الحسين (عليه السلام)، مما يدل على أن الندم عمّ المجتمع الكوفي بعد انكشاف حجم الجريمة٦.
ولو أن الإمام الحسين (عليه السلام) رجع عندما خذله الناس، لأصبح ذلك انتصارًا سياسيًا وأخلاقيًا للسلطة الأموية، ولتمكنت من تصوير رفضه للبيعة على أنه مجرد حركة انتهت بالفشل، أما ثباته حتى آخر لحظة فقد كشف حقيقة النظام الأموي، وأبقى كربلاء مدرسةً خالدة في رفض الظلم.
وعليه، فإن الإمام الحسين (عليه السلام) لم يستمر في طريقه لأن أهل الكوفة كانوا سينصرونه، وإنما استمر لأنه كان يؤدي تكليفًا شرعيًا، ولأن السلطة الأموية لم تترك له خيار الرجوع، ولأن التراجع في تلك اللحظة كان يعني إضفاء الشرعية على الانحراف الذي خرج لإصلاحه.
الهوامش
١. ابن أعثم الكوفي، الفتوح، ج٥، ص٢١؛ المجلسي، بحار الأنوار، ج٤٤، ص٣٢٩.
٢. الشيخ المفيد، الإرشاد، ج٢، ص٧٤؛ الطبري، تاريخ الأمم والملوك، ج٥، ص٣٩٨.
٣. البلاذري، أنساب الأشراف، ج٣، ص١٧٠-١٧٤؛ الدينوري، الأخبار الطوال، ص٢٤٨-٢٥١.
٤. الطبري، تاريخ الأمم والملوك، ج٥، ص٤٠٠-٤٠١؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ، ج٤، ص٥٧-٥٩.
٥. اليعقوبي، تاريخ اليعقوبي، ج٢، ص٢٤١-٢٤٣؛ المسعودي، مروج الذهب، ج٣، ص٦٩-٧١.
٦. الطبري، تاريخ الأمم والملوك، ج٦، ص١-٤٠؛ ابن كثير، البداية والنهاية، ج٨، ص٢٧١-٢٨١.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!