كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

شبهات وردود حول النهضة الحسينية / القسم الثاني والثلاثون : هل كان على الإمام الحسين (عليه السلام) أن يصبر ولا يستعجل في مواجهة الانحراف ؟

  من الشبهات التي يمكن أن تُثار حول النهضة الحسينية أن الإصلاح يحتاج إلى التدرّج والصبر، وأن مواجهة السلطة بالقوة قد تؤدي إلى نتائج عكسية وسفك الدماء. وبناءً على ذلك يُقال: لماذا لم يصبر الإمام الحسين (عليه السلام) ويترك الزمن كفيلًا بكشف أخطاء السلطة؟ أليس الصبر أحيانًا أكثر حكمة من المواجهة؟
هذه الشبهة تنطلق من مبدأ صحيح في أصله، وهو أن الإصلاح يحتاج إلى الحكمة وعدم الاستعجال، لكنها تفترض أن الصبر يعني دائمًا السكوت والتراجع، وهذا ما لا ينسجم مع المنهج الإسلامي ولا مع سيرة الإمام الحسين (عليه السلام).
 
أولًا: الصبر في الإسلام لا يعني الاستسلام
الصبر قيمة إسلامية عظيمة، لكنه لا يعني ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
قال تعالى:
﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾، النحل: (١٢٧).
فالآية تجمع بين الصبر ومواجهة الواقع، ولا تجعل الصبر مرادفًا للاستسلام.
ولهذا فإن السؤال ليس: هل صبر الإمام الحسين (عليه السلام) أم لم يصبر؟
بل:
هل كان الصبر في ذلك الظرف يعني السكوت عن انحراف يمس أصل الدين والمجتمع؟
 
ثانيًا: الإمام الحسين (عليه السلام) صبر قبل النهضة
من المهم ألا نتصور أن الإمام اتخذ قرار المواجهة بصورة مفاجئة.
فبعد استشهاد الإمام الحسن (عليه السلام)، عاش الإمام الحسين (عليه السلام) سنوات في ظل حكم معاوية، ولم يعلن حربًا عليه.
وقد اتخذ موقفًا معارضًا في قضايا مختلفة، لكنه لم يحول معارضته إلى مواجهة عسكرية شاملة.
وهذا يدل على أنه لم يكن يبحث عن الصدام لمجرد الصدام.
وقد أشارت المصادر إلى مواقفه المعارضة لسياسات معاوية، مع التزامه بالواقع الذي فرضته الهدنة التي عقدها الإمام الحسن (عليه السلام). (١)
إذن، الصبر كان حاضرًا في سيرة الإمام، لكنه لم يكن صبرًا أبديًا على كل شيء.
 
ثالثًا: الصبر له حدود عندما يتحول السكوت إلى مشاركة في المنكر
الإسلام لا يطلب من الإنسان أن يصبر على الظلم بمعنى أن يمنحه الشرعية.
قال تعالى:
﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾، هود: (١١٣).
والركون إلى الظالمين أوسع من مجرد مساعدتهم؛ إذ يشمل التسليم الذي يؤدي إلى تثبيت الظلم وإعطائه المشروعية.
ومن هنا كان موقف الإمام الحسين (عليه السلام) قائمًا على رفض أن يتحول صمته إلى اعتراف بشرعية ما يراه انحرافًا.
 
رابعًا: الإمام نفسه حدّد سبب خروجه
الإمام لم يقل: خرجت لأنني استعجلت أو لأنني أردت الانتقام.
بل ترك نصًا واضحًا يشرح دوافعه:
(إنّي لم أخرج أشِرًا ولا بطرًا، ولا مفسدًا ولا ظالمًا، وإنّما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدّي، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر).(٢)
إذن، النهضة كانت عند الإمام مسؤولية إصلاحية.
ومتى أصبح المنكر عامًا، وكان السكوت يؤدي إلى تثبيته، فإن الصبر بمعنى السكوت لا يعود إصلاحًا.
 
خامسًا: لماذا لم يستمر الإمام في الصبر بعد وفاة معاوية؟
لأن الظروف السياسية تغيرت بصورة جوهرية.
فمعاوية، رغم كل الخلافات والمواقف المعارضة له، كان قد أبرم اتفاقًا مع الإمام الحسن (عليه السلام)، بينما أصبح يزيد بعد ذلك أمام محاولة أخذ البيعة من الإمام الحسين (عليه السلام).
والبيعة لم تكن عند الإمام مجرد موقف شخصي؛ لأنها كانت ستمنح النظام الجديد شرعية دينية واجتماعية مهمة.
وقد عبّر الإمام عن موقفه بوضوح:
(ومثلي لا يبايع مثله) (٣)
فرفض البيعة كان موقفًا مبدئيًا قبل أن يكون مواجهة سياسية.
 
سادسًا: الإمام لم ينتقل من الصبر إلى السلاح مباشرة
وهذه نقطة مهمة جدًا.
بعد رفض البيعة، لم يبدأ الإمام معركة.
غادر المدينة، واتجه إلى مكة، وبقي فيها مدة، ثم عندما جاءت رسائل أهل الكوفة أرسل مسلم بن عقيل للتحقق من موقفهم.
وكان سلوكه في هذه المرحلة قائمًا على التدرج والتحقق والاحتجاج، لا على الاستعجال.
وقد كان يملك فرصة للتحرك المسلح، لكنه لم يفعل.
وهذا يدل على أن الإمام لم يرفض مبدأ التدرج، وإنما رفض أن يتحول التدرج إلى سكوت دائم.
 
سابعًا: الإصلاح يحتاج إلى الحكمة، والإمام استخدم الحكمة
لو كانت النهضة الحسينية اندفاعًا عاطفيًا، لبدأ الإمام القتال منذ وصوله إلى العراق.
لكن ما حدث كان مختلفًا تمامًا.
فعندما التقى بالحر بن يزيد الرياحي، دار الحوار بينهما، وأعلن الإمام أنه إذا كان أهل الكوفة لا يريدونه فإنه مستعد للانصراف:
(وإن كنتم لمقدمي كارهين، انصرفت عنكم إلى المكان الذي أقبلت منه).(٤)
وهذه العبارة وحدها تكشف أن الإمام لم يكن يسعى إلى الحرب.
 
ثامنًا: الإمام استمر في تقديم النصيحة حتى اللحظات الأخيرة
حتى بعد وصوله إلى كربلاء، لم يتخلَّ الإمام عن أسلوب الحوار.
فقد خاطب الجيش، وذكّرهم بالله، وذكّرهم بقرابته من رسول الله (صلى الله عليه وآله)، واحتج عليهم بالرسائل التي أرسلوها إليه.
وتذكر المصادر خطابه الذي قال فيه:
(ألا ترون إلى الحق لا يُعمل به، وإلى الباطل لا يُتناهى عنه، ليرغب المؤمن في لقاء ربّه محقًّا) (٥)
وهذا يكشف أن الإمام ظل يمارس الإصلاح بالكلمة حتى عندما أصبحت المواجهة العسكرية وشيكة.
 
تاسعًا: متى يصبح الصبر خطأ؟
الصبر يكون محمودًا عندما يكون وسيلة لحفظ الحق وتحقيق المصلحة.
أما إذا تحول إلى وسيلة لمنح الظلم فرصة للتمدد، فقد يصبح السكوت نفسه مشكلة.
فلو أن الإمام قبل بالبيعة ثم سكت، وأصبح موقفه يُستخدم لتثبيت شرعية السلطة، لكان صمته يؤدي وظيفة سياسية واضحة.
ولهذا كان رفضه في ذلك الظرف يحمل رسالة للأمة مفادها:
ليس كل استقرار عدلًا، وليس كل صمت حكمة.
 
عاشرًا: الإمام لم يكن يطلب المواجهة لذاتها
من الأدلة على ذلك أنه عندما عُرضت عليه خيارات للابتعاد عن المواجهة، كان مستعدًا لها ما دامت لا تتضمن التنازل عن المبدأ.
وقد ظل يحاول إيجاد مخرج من الأزمة.
ومن هنا يجب التفريق بين أمرين:
المواجهة بوصفها هدفًا.
والمواجهة بوصفها نتيجة فرضها انسداد الطرق الأخرى.
والنهضة الحسينية أقرب إلى الثاني.
الحادي عشر: لماذا كان التوقيت مهمًا؟
لأن الإمام رأى أن المشكلة لم تعد مجرد اختلاف سياسي يمكن تأجيله.
فإذا أصبحت السلطة تريد من شخصية الإمام أن تمنحها الشرعية، فإن تأجيل الموقف قد يعني أن السكوت سيُفهم على أنه قبول.
والإمام كان يدرك أن لموقفه قيمة رمزية كبيرة في المجتمع الإسلامي.
ولهذا فإن رفضه لم يكن فقط دفاعًا عن ذاته، بل كان دفاعًا عن مفهوم الشرعية الأخلاقية والدينية للحكم.
 
    إن القول بأن الإمام الحسين (عليه السلام) كان ينبغي أن يصبر يفترض أن الصبر يعني السكوت عن الواقع القائم.
لكن سيرة الإمام تثبت أنه صبر حين كان الصبر يحفظ المصلحة، وحاور حين كان الحوار ممكنًا، واحتج حين وجب الاحتجاج، ورفض البيعة حين أصبحت البيعة تعني منح الشرعية لما رفضه دينيًا وأخلاقيًا.
فالنهضة الحسينية لم تكن خروجًا على مبدأ الصبر، وإنما كانت تطبيقًا لمبدأ أعمق:
الصبر لا يعني أن يسكت الإنسان عن الحق، والحكمة لا تعني أن يتنازل عن المبدأ.
ولهذا كان الإمام الحسين (عليه السلام) واضحًا في تحديد غايته:
(إنّما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدّي، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر) 
فإذا كان الإصلاح ممكنًا بالكلمة، استخدم الكلمة.
وإذا كان ممكنًا بالاحتجاج، احتج.
وإذا كان ممكنًا بالانصراف، عرض الانصراف.
لكن عندما أُغلقت أبواب الحلول، لم يقبل أن يتحول الصبر إلى شرعنة للانحراف.
وهنا تكمن عظمة الموقف الحسيني: لم يكن الإمام متعجلًا إلى المواجهة، لكنه لم يكن مستعدًا لأن يجعل الانتظار ذريعة لدفن الحق.
الهوامش
(١) ابن الأثير، الكامل في التاريخ، ج٣، ص٤٨٧-٤٩١. 
(٢) المجلسي، بحار الأنوار، ج٤٤، ص٣٢٩.
(٣) الشيخ المفيد، الإرشاد، ج٢، ص٣٣. 
(٤) الخوارزمي، مقتل الحسين، ج١، ص٢٣٣.
(٥) الشيخ المفيد، الإرشاد، ج٢، ص٧٨.

المسير_الحسيني.jpg

الوسوم ذات الصلة:

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!