كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

شبهات وردود حول النهضة الحسينية / القسم الثامن والعشرون : لماذا لم يستجب الإمام الحسين (عليه السلام) لنصيحة كبار الصحابة والتابعين ؟

من الشبهات التي تُثار حول النهضة الحسينية أن عددًا من الشخصيات الإسلامية المعروفة في ذلك العصر، ومنهم عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، ومحمد بن الحنفية، نصحوا الإمام الحسين (عليه السلام) بعدم الخروج إلى العراق، وحذروه من غدر أهل الكوفة. فإذا كان هؤلاء من أهل الخبرة والدراية بالواقع السياسي، فلماذا لم يأخذ الإمام بنصيحتهم؟ وهل يدل ذلك على أن خروجه كان قرارًا غير صائب؟
تبدو الشبهة قوية إذا نظرنا إلى النتيجة النهائية فقط، لكنها تتجاهل أن النصيحة السياسية تقديرٌ بشري للوقائع، وليست نصًا ملزمًا، وأن اختلاف التقدير لا يعني بالضرورة خطأ أحد الطرفين.

أولًا: هل كانت النصيحة قائمة على معلومات قطعية؟

إن الشخصيات التي نصحت الإمام الحسين (عليه السلام) كانت تنطلق من خبرتها السابقة بأهل الكوفة، ولا سيما ما جرى مع أمير المؤمنين والإمام الحسن (عليهما السلام).
وقد نقلت المصادر أن محمد بن الحنفية حذّر الإمام من الذهاب إلى الكوفة، وكذلك نصحه عبد الله بن عباس بالبقاء بعيدًا عن العراق، وحذره من تقلب أهلها (١).
وهذه النصائح كانت ذات قيمة سياسية بلا شك، لكنها لم تكن قائمة على معرفة يقينية بما سيحدث.
فالمستقبل لا يمكن الجزم به بمجرد التجربة السابقة، خصوصًا أن الظروف السياسية تغيرت، وأن دعوة الكوفيين في تلك المرحلة كانت واسعة، وأن الإمام لم يعتمد عليها بصورة مباشرة، بل أرسل مسلم بن عقيل للتحقق.

ثانيًا: الإمام أخذ بأسباب التحقق ولم يتجاهل النصيحة

من المهم جدًا أن الإمام الحسين (عليه السلام) لم يتصرف وكأنه لم يسمع أحدًا.
فقد استمع إلى نصائح المقربين، ثم اتخذ إجراءً عمليًا للتحقق من الواقع، فأرسل مسلم بن عقيل إلى الكوفة.
وقد جاء في رسالة مسلم إلى الإمام ما يفيد اجتماع الناس عليه وكثرة من بايعه، الأمر الذي أعطى للإمام معطيات جديدة لم تكن متوافرة عند بعض من نصحوه بالبقاء في مكة أو المدينة (٢).
وهنا تظهر قاعدة عقلية مهمة:
النصيحة تبنى على المعلومات المتاحة، فإذا ظهرت معلومات جديدة، جاز أن يتغير القرار.

ثالثًا: لماذا لم يكن البقاء في مكة حلًا؟

قد يبدو أن الإمام كان يستطيع ببساطة أن يبقى في مكة، لكن هذا الخيار لم يكن آمنًا بالضرورة.
فقد وصلت إلى والي مكة أو السلطة أخبار تحركات الإمام، وكانت هناك خشية من أن تقوم السلطة باغتياله في الحرم، وهو ما جعل الإمام لا يريد أن تكون مكة ساحةً لانتهاك حرمة البيت الحرام.
وقد خرج الإمام من مكة قبل إتمام الحج، متوجهًا إلى العراق (٣).
وهنا نلاحظ أن البدائل التي كانت أمامه لم تكن مثالية؛ فالبقاء في مكان قد يعرضه للاغتيال، والعودة إلى المدينة قد تعني الوقوع تحت ضغط السلطة، والتوجه إلى الكوفة كان يستند إلى دعوة واسعة وتحقق أرسله الإمام بنفسه.

رابعًا: ماذا حدث بعد تغير الظروف؟

هذه النقطة من أهم ما يكشف طبيعة قرار الإمام.
فعندما وصلت إليه أخبار استشهاد مسلم بن عقيل وهاني بن عروة، لم يستمر الإمام في التصرف وكأن شيئًا لم يحدث.
بل أخبر أصحابه بتغير الوضع، وترك لهم حرية الانصراف.
وقد نقل ابن أعثم وغيره أن الإمام قال لمن معه ما يدل على أن القوم قد خذلوه، وأذن لمن أراد بالانصراف (٤).
إذن، الإمام لم يكن أسيرًا لقرار سابق.
لقد كان يراقب الأحداث ويتعامل معها بحسب ما يستجد.

خامسًا: النصيحة شيء، وإلزام الإمام بها شيء آخر

لا توجد قاعدة تقول إن الشخص يجب أن يتبع نصيحة كل من حوله لمجرد أن الناصح صاحب مكانة.
بل الإنسان المسؤول يستمع إلى الآراء، ويدرس الأدلة، ثم يتخذ القرار الذي يراه أقرب إلى الحق.
وقد يكون الناصح صادقًا ومخلصًا، ومع ذلك يكون تقديره للنتائج مختلفًا عن تقدير صاحب القرار.
وهذا ينطبق على موقف الإمام الحسين (عليه السلام).
فعبد الله بن عباس مثلًا كان يخشى على الإمام من أهل الكوفة، وهذا الخوف كان له ما يبرره تاريخيًا، لكن الإمام كان أمام مسؤولية أخرى تتعلق برفض البيعة ليزيد والإصلاح في الأمة.

سادسًا: الإمام لم يكن أمام خيار سياسي عادي

من الخطأ أن نقيس قرار الإمام الحسين (عليه السلام) على قرار حاكم يريد اختيار مكان إقامته أو قائد يريد تحديد موعد معركة.
فالإمام كان قد رفض البيعة ليزيد، وأصبح موقفه معروفًا للسلطة.
وقد عبّر عن موقفه بوضوح:
(ومثلي لا يبايع مثله)(٥)
ولهذا فإن القضية لم تكن مجرد: هل أذهب إلى الكوفة أم لا؟
بل كانت القضية الأعمق:
كيف أحافظ على موقفي من شرعية الحكم، وأؤدي مسؤوليتي في الإصلاح، في ظل سلطة تطالبني بالبيعة؟

سابعًا: الإمام نفسه أعلن هدفه

لو كان الإمام يتعامل مع القضية باعتبارها مغامرة سياسية، لكان من الممكن تفسير النصائح باعتبارها تحذيرًا من خسارة السلطة.
لكن الإمام أعلن بوضوح هدفه:
(إني لم أخرج أشِرًا ولا بطرًا، ولا مفسدًا ولا ظالمًا، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر) (٦)
فالمعيار عند الإمام لم يكن تحقيق النصر السياسي فقط، بل أداء مسؤولية الإصلاح.

ثامنًا: هل ثبت أن الإمام أخطأ بمجرد أن انتهى الأمر إلى الشهادة؟

هذه نقطة مهمة في التفكير التاريخي.
فليس كل قرار ينتهي بنتيجة مؤلمة يكون قرارًا خاطئًا.
قد يتخذ الإنسان قرارًا عقلانيًا بناءً على المعلومات المتاحة، ثم تتغير الظروف بصورة لم يكن يستطيع التحكم بها.
والإمام عندما تحرك كانت لديه معطيات قوية: رسائل الكوفة، ثم تقرير مسلم بن عقيل، ثم تغيرت الظروف بعد تدخل السلطة.
لذلك فإن الحكم على القرار من خلال النتيجة فقط يُسمى في التحليل المنطقي التحيز بأثر النتيجة؛ أي اعتبار النتيجة دليلًا كافيًا على خطأ القرار.

تاسعًا: حتى الناصحون أنفسهم لم يكونوا جميعًا على موقف واحد

ومن اللافت تاريخيًا أن الشخصيات التي نصحت الإمام لم تكن تقدم تصورًا واحدًا موحدًا للمستقبل.
فبعضهم نصحه بالبقاء في مكة، وبعضهم نصحه بالذهاب إلى اليمن، وبعضهم حذره من العراق، بينما كان الإمام يرى أن هناك مسؤولية لا يستطيع التخلي عنها.
وهذا الاختلاف نفسه يدل على أن المسألة لم تكن من النوع الذي يوجد فيه جواب سياسي قطعي متفق عليه.

عاشرًا: ماذا حدث عندما حاول الإمام تجنب المواجهة؟

بعد أن تغيرت الظروف، لم يصر الإمام على الذهاب إلى الكوفة بأي ثمن.
وعندما واجهه الحر بن يزيد الرياحي، حاول الإمام أن يبين أن القوم هم الذين دعوه، وأنه لو لم يريدوه فإنه مستعد للانصراف.
ثم عندما اشتد الحصار، عرض خيارات متعددة، لكن السلطة رفضت السماح له بالرجوع دون الخضوع لشروطها (٧).
وهذا يعني أن كربلاء لم تكن مجرد نتيجة مباشرة لرفض نصيحة ابن عباس أو غيره.
بل كانت نتيجة سلسلة من الأحداث السياسية المتلاحقة التي ضاقت فيها الخيارات أمام الإمام تدريجيًا.
النتيجة
إن القول بأن الإمام الحسين (عليه السلام) أخطأ لأنه لم يأخذ بنصيحة بعض الصحابة والتابعين يتجاهل عدة حقائق:
أولها: أن هذه النصائح كانت تقديرات بشرية مبنية على قراءة سياسية معينة.
وثانيها: أن الإمام لم يتجاهلها، بل أرسل مسلم بن عقيل للتحقق من حقيقة موقف الكوفة.
وثالثها: أن المعطيات تغيرت بعد استشهاد مسلم وهاني، والإمام تعامل مع هذا التغير وأذن لأصحابه بالانصراف.
ورابعها: أن الإمام لم يكن أمام خيار سياسي بسيط، بل كان يواجه مطالبة بالبيعة ويرى أن السكوت عنها أو قبولها يحمل تبعات دينية وأخلاقية.
ولهذا فإن اختلاف الإمام مع بعض الناصحين لا يعني أنه تجاهل الحكمة أو تصرف باندفاع، بل يعني أنه قدّر الموقف وفق مسؤوليته ومعطياته، واختار طريقًا رأى أنه يحفظ مبدأ الإصلاح ورفض شرعنة الانحراف.
والدرس الذي تقدمه كربلاء هنا أن النصيحة مهمة، لكن المسؤولية لا تسقط عن الإنسان لمجرد أن الآخرين اختاروا طريقًا مختلفًا؛ فالإنسان قد يسمع آراء كثيرة، ثم يتحمل بنفسه مسؤولية القرار الذي يراه حقًا.
الهوامش
(١) الشيخ المفيد، الإرشاد، ج٢، ص٣٥-٣٨.
(٢) الطبري، تاريخ الأمم والملوك، ج٥، ص٣٥٥. 
(٣) الطبري، تاريخ الأمم والملوك، ج٥، ص٣٨١-٣٨٣.
(٤) الخوارزمي، مقتل الحسين، ج١، ص٢٢٦.
(٥) الشيخ المفيد، الإرشاد، ج٢، ص٣٣. 
(٦) المجلسي، بحار الأنوار، ج٤٤، ص٣٢٩.
(٧) الطبري، تاريخ الأمم والملوك، ج٥، ص٤١١-٤١٧. 

العباس_الحسين.jpg



التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!