من الشبهات التي تُثار حول النهضة الحسينية أن الإمام الحسين (عليه السلام) كان يستطيع أن يتجنب المواجهة بالجلوس إلى السلطة والتفاوض معها، بدلًا من الوصول إلى القتال. فإذا كان هدفه الإصلاح وحقن الدماء، فلماذا لم يقبل بحوار سياسي ينهي الأزمة؟
هذه الشبهة تفترض أن الخلاف كان مجرد نزاع سياسي يمكن حله بتسوية بين طرفين، بينما تكشف الوقائع أن جوهر المشكلة كان مرتبطًا بمسألة البيعة والشرعية والموقف من يزيد.
أولا : الحوار لا يعني التنازل عن المبدأ
لم يكن الإمام الحسين (عليه السلام) رافضًا للحوار من حيث المبدأ، بل إن سيرته في الطريق إلى كربلاء تدل على أنه كان يحاول مخاطبة القوم وإقامة الحجة عليهم.
وقد خاطب جيش الحر، وبيّن لهم سبب خروجه، وذكّرهم بأنهم هم الذين كتبوا إليه ودعوه إلى القدوم.
وقال:
(أيها الناس، إنها معذرة إلى الله عز وجل وإليكم، إني لم آتكم حتى أتتني كتبكم وقدمت عليّ رسلكم أن أقدم علينا، فإنه ليس لنا إمام، لعل الله أن يجمعنا بك على الهدى) (١)
وهذا النص يكشف أن الإمام لم يبدأ المواجهة بالسيف، وإنما بدأها بالكلمة والحجة.
ولكن ما الذي كانت تريده السلطة؟
المشكلة أن السلطة لم تكن تطلب من الإمام مجرد الحوار.
لقد كان المطلوب منه أن يمنح يزيد البيعة.
وقد كان موقف الإمام واضحًا:
(ومثلي لا يبايع مثله) (٢)
إذن، لم يكن الخلاف حول تفاصيل إدارية أو سياسية يمكن حلها بتنازل متبادل، بل كان السؤال: هل يمنح الإمام الحسين (عليه السلام) شرعية دينية وسياسية لحكم يزيد أم يرفض؟
ومن هنا يصبح الحوار ممكنًا في التفاصيل، لكن التنازل عن أصل المبدأ شيء آخر.
ثانيا : الإمام قدم بدائل قبل الوصول إلى القتال
تذكر المصادر أن الإمام، عندما تغيرت الظروف وحاصرته قوات السلطة، عرض خيارات متعددة للخروج من الأزمة.
فقد نُقل أنه طلب أن يُترك ليعود إلى المكان الذي جاء منه، أو أن يذهب إلى موضع آخر، أو أن يُترك حتى ينظر في أمره (٣).
وهذا مهم جدًا؛ لأن الشخص الذي يبحث عن الحرب لا يعرض طرقًا متعددة لإنهائها.
إن سلوك الإمام يدل على أنه كان يريد الخروج من المأزق من دون أن يدفع ثمن ذلك بالبيعة ليزيد.
ثالثا : لماذا وقعت المعركة؟
وقعت المعركة بعد أن ضاقت الخيارات، وأصبح المطلوب من الإمام الخضوع لشروط السلطة.
وقد نقل الطبري أن عمر بن سعد كتب إلى عبيد الله بن زياد يقترح قبول بعض الخيارات التي عرضها الإمام، لكن عبيد الله بن زياد رفض، وأصر على إخضاع الإمام للبيعة (٤).
وهنا تظهر حقيقة مهمة:
لم يكن الطرفان متساويين في شروط الحوار.
فالإمام كان يقول: اتركوني أعود أو أذهب إلى مكان آخر.
أما السلطة فكانت تقول: لا بد من الخضوع.
وعندما يصبح الحوار مشروطًا مسبقًا بالتنازل عن المبدأ، فإنه يتحول من حوار إلى إملاء.
رابعا : هل كان الإمام يستطيع أن يساير السلطة مؤقتًا؟
قد يقال: كان يمكنه أن يوافق مؤقتًا ثم يعارض لاحقًا.
لكن هذا الحل كان يعني أن الإمام يمنح السلطة ما كانت تحتاجه منه: البيعة.
ولأن الإمام كان شخصية دينية واجتماعية كبرى، فإن بيعته لم تكن أمرًا شخصيًا.
إن بيعة الحسين (عليه السلام) كانت ستُفهم عند المسلمين باعتبارها اعترافًا بشرعية يزيد.
ولهذا كان رفضه للبيعة جزءًا أساسيًا من موقفه.
الإصلاح لا يعني قبول أي تسوية
قد يكون الحوار وسيلة للإصلاح، لكنه ليس غايةً مستقلة عن المبادئ.
فالقرآن الكريم يقول:
﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾، هود: (١١٣).
والآية لا تمنع كل تعامل مع الظالمين، لكنها تحذر من الركون إليهم، أي من اتخاذ موقف يؤدي إلى تقوية الظلم أو إعطائه المشروعية.
ومن هنا فإن الإمام الحسين (عليه السلام) كان يستطيع الحوار، لكنه لم يكن يستطيع ـ بحسب رؤيته ـ أن يحول الحوار إلى اعتراف بشرعية ما يرفضه.
الإمام كان يراهن على إيقاظ الضمير
ومن أجمل ما يكشف طبيعة موقفه أنه لم يكتفِ بمخاطبة القادة، بل خاطب عموم الناس.
فقال:
(ألا ترون أن الحق لا يُعمل به، وأن الباطل لا يُتناهى عنه، فليرغب المؤمن في لقاء الله محقًا.) (٥)
إنه لا يقول: قاتلوا من أجل أن أصبح خليفة.
بل يضع القضية في إطار الحق والباطل، والمعروف والمنكر، ومسؤولية المؤمن.
وهذا يؤكد أن الحوار عنده كان وسيلة لإقامة الحجة، لا وسيلة للوصول إلى تسوية سياسية بأي ثمن.
خامسا : وهل بدأ الإمام بالقتال؟
هذه نقطة تاريخية مهمة.
لم يكن الإمام الحسين (عليه السلام) هو الذي بادر إلى الهجوم في يوم عاشوراء، بل كان حريصًا على إتمام الحجة حتى اللحظات الأخيرة.
وقد خطب في القوم، وذكّرهم بقرابته من رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ودعاهم إلى مراجعة موقفهم.
وكان من خطابه:
(هل حلّ لكم قتلي وانتهاك حرمتي؟ ألست ابن بنت نبيكم ؟) (٦)
فالحوار لم يتوقف عند مرحلة ما قبل كربلاء، بل استمر حتى يوم عاشوراء نفسه.
إن القول بأن الإمام الحسين (عليه السلام) رفض الحوار لا ينسجم مع مجريات الأحداث.
فالإمام:
خاطب السلطة وأتباعها ، وأقام الحجة عليهم ، ذكّرهم برسائل أهل الكوفة ،وعرض خيارات للانصراف وتجنب القتال ، ولم يبدأ المعركة ، واستمر في النصح حتى اللحظات الأخيرة.
لكن الحوار له حدود، وأهم هذه الحدود أن لا يتحول إلى تنازل عن الحق أو منح الشرعية للظلم.
ولهذا فإن موقف الإمام يمكن اختصاره في قاعدة واضحة:
الحوار مقبول ما دام طريقًا إلى الحق وحقن الدماء، أما إذا أصبح ثمنه البيعة للباطل ومنح الظلم شرعيةً دينية، فإن رفضه يصبح موقفًا أخلاقيًا لا رفضًا للحوار.
ومن هنا كانت عاشوراء نتيجة فشل السلطة في قبول أي حل لا يتضمن إخضاع الإمام، لا نتيجة رفض الإمام لمبدأ الحوار.
الهوامش
(١) الطبري، تاريخ الأمم والملوك، ج٥، ص٤٠٠؛ البلاذري، أنساب الأشرا
(٢) الشيخ المفيد، الإرشاد، ج٢، ص٣٣؛ الطبرسي، الاحتجاج، ج٢، ص٢٤.
(٣) الطبري، تاريخ الأمم والملوك ، ج٥، ص ٤٥٥ .
(٤)ابن الأثير، الكامل في التاريخ، ج٤، ص٦٤-٦٧.
(٥) الخوارزمي، مقتل الحسين، ج١، ص٢٣١.
(٦) الطبري، تاريخ الأمم والملوك، ج٥، ص٤٢٧.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!