كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

شبهات وردود حول النهضة الحسينية / القسم الثلاثون : هل كان الإمام الحسين (عليه السلام) سببًا في إضعاف وحدة المسلمين؟

    من الشبهات التي تُثار حول النهضة الحسينية أن خروج الإمام الحسين (عليه السلام) على السلطة الأموية أدى إلى انقسام المسلمين وإثارة الفتنة وسفك الدماء، وأن الحفاظ على وحدة الأمة كان يقتضي السكوت عن الخلاف السياسي، خصوصًا أن المجتمع الإسلامي كان قد خرج من سنوات طويلة من الصراعات الداخلية.
    وتقوم هذه الشبهة على افتراض أن كل معارضة سياسية تؤدي إلى الفتنة، وأن الاستقرار، مهما كان شكل السلطة، يجب أن يكون مقدمًا على الاعتراض. لكن هذا التصور يحتاج إلى مراجعة؛ لأن الإسلام لا يجعل الوحدة مجرد غياب للصراع، بل يجعلها قائمة على الحق والعدل وعدم الركون إلى الظلم.
 
أولًا: هل كان الإمام الحسين (عليه السلام) هو الذي بدأ الانقسام؟
 
     من الناحية التاريخية، لم يبدأ الإمام الحسين (عليه السلام) حركة عسكرية للاستيلاء على الحكم، ولم يجمع جيشًا في المدينة ثم يهاجم السلطة.
بل إن الأحداث بدأت عندما طُلبت منه البيعة ليزيد، فرفضها وغادر المدينة.
وقد عبّر عن موقفه بوضوح:
(ومثلي لا يبايع مثله) (١)
فالسؤال هنا ليس: لماذا خرج الحسين على دولة مستقرة؟
بل: لماذا طالبت السلطة الإمام الحسين بالبيعة، ولماذا لم تترك له خيارًا في الاعتزال أو الرفض؟
 
ثانيًا: الإمام لم يدعُ إلى قتال المسلمين
من الأخطاء الشائعة تصوير النهضة الحسينية على أنها دعوة عامة إلى حمل السلاح ضد المسلمين.
الإمام لم يقل للناس: قاتلوا المسلمين، ولم يجعل القتال هدفًا لثورته.
بل أعلن أن هدفه الإصلاح:
(إني لم أخرج أشِرًا ولا بطرًا، ولا مفسدًا ولا ظالمًا، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر) (٢)
فالغاية التي أعلنها الإمام كانت إصلاح الأمة، لا تقسيمها.
 
ثالثًا: الوحدة لا تعني السكوت عن الظلم
إن مفهوم الوحدة في الإسلام لا يعني أن يتنازل الإنسان عن الحق حتى لا يختلف مع الآخرين.
فالقرآن الكريم يقول:
﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾، الأنفال: (٤٦).
والآية تدعو إلى عدم التنازع الذي يؤدي إلى الفشل، لكنها لا تعني أن الأمة مطالبة بالسكوت عن الظلم أو قبول الانحراف.
بل القرآن نفسه جعل مقاومة الظلم مسؤولية:
﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ﴾، النساء: (٧٥).
وعليه، فالوحدة الحقيقية لا تقوم على إسكات صوت الحق، وإنما على إقامة العدل.
 
رابعًا: من الذي نقل الخلاف إلى مرحلة الدم؟
الإمام الحسين (عليه السلام) لم يكن أول من استخدم القوة في الأزمة.
فقد حاول الابتعاد عن المواجهة، ثم لما وصل إلى كربلاء عرض خيارات متعددة لتجنب القتال، لكن السلطة رفضت السماح له بالانصراف دون الخضوع لشروطها (٣).
كما أن الإمام لم يبدأ القتال في عاشوراء، وإنما بقي يخاطب جيش عمر بن سعد ويحاول إقناعهم بالعدول عن قتاله.
وهذا يضع مسؤولية اندلاع المواجهة في سياقها التاريخي الصحيح.
 
خامسًا: لو كان هدف الإمام إشعال الفتنة، فلماذا أعطى أصحابه فرصة الانصراف؟
هذه من أقوى القرائن على طبيعة مشروع الإمام.
ففي ليلة عاشوراء قال لأصحابه:
(قد أذنت لكم، فانطلقوا جميعًا في حل، ليس عليكم مني ذمام) (٤)
لو كان الإمام يريد إشعال حرب واسعة، لكان بحاجة إلى أكبر عدد ممكن من المقاتلين.
لكنه فعل العكس تمامًا؛ فقد أعطى أصحابه فرصة تركه والنجاة بأنفسهم.
وهذا يكشف أن القتال لم يكن غايةً عنده.
 
سادسًا: هل كانت وحدة المسلمين موجودة فعلًا قبل كربلاء؟
إن تصوير المجتمع الإسلامي آنذاك على أنه كان يعيش وحدة سياسية واجتماعية كاملة ثم جاء الإمام الحسين فمزقها، لا ينسجم مع الواقع التاريخي.
فالعصر الأموي شهد صراعات سياسية عديدة قبل كربلاء وبعدها، ووقعت حروب وثورات واضطرابات في مناطق متعددة.
كما أن انتقال الحكم من الشورى إلى الملك الوراثي أثار اعتراضات واسعة، ولم يكن موقف الإمام الحسين حدثًا معزولًا عن ذلك السياق.
ومن هنا فإن تحميل كربلاء وحدها مسؤولية الانقسام السياسي في الأمة يختزل تاريخًا طويلًا من الصراع.
 
سابعًا: الإمام حذّر من الفتنة ولم يكن صانعًا لها
في خطابه للناس، كان الإمام يحاول إيقاظ ضمائرهم، ولم يكن يدعوهم إلى الفوضى.
ومن كلماته:
(ألا ترون أن الحق لا يُعمل به، وأن الباطل لا يُتناهى عنه، فليرغب المؤمن في لقاء الله محقًا) (٥)
فالخطر الذي كان الإمام يحذر منه هو أن تتحول الأمة إلى مجتمع يرى الباطل ولا ينكره.
وبذلك فإن السكوت عن الانحراف قد يحقق هدوءًا مؤقتًا، لكنه لا يحقق وحدة حقيقية.
 
ثامنًا: هل كان سكوت الإمام سيمنع الدماء؟
هذا افتراض يحتاج إلى دليل.
فالسلطة كانت تطلب من الإمام البيعة، ولم تكن المشكلة مجرد موقف عابر يمكن أن ينتهي بالصمت.
والقول إن الإمام لو بايع لما حدثت كربلاء لا يعني أن المشكلة انتهت، بل يعني أن شخصية الإمام كانت ستستخدم لتثبيت شرعية الحكم.
وقد كان الإمام يرى أن هذه النتيجة أخطر من موقفه الشخصي.
 
تاسعًا: كربلاء لم تؤدِّ إلى تفكيك الأمة، بل إلى إعادة تشكيل الوعي
 
     من المفارقات التاريخية أن كربلاء، رغم مأساويتها، لم تؤدِّ إلى محو مفهوم الجماعة الإسلامية، وإنما أصبحت مصدرًا مهمًا لإحياء مفاهيم العدالة والحرية ورفض الاستبداد.
وقد ظهرت بعد استشهاد الإمام حركات معارضة للسلطة الأموية، مثل حركة التوابين وحركة المختار، وهو ما يدل على أن آثار كربلاء تجاوزت المعركة نفسها (٦).
فلو كانت القضية مجرد فتنة عابرة، لما بقي أثرها الفكري والأخلاقي والسياسي قرونًا طويلة.
 
عاشرًا: الوحدة التي لا تحمي الحق ليست وحدة حقيقية
إن أخطر ما في هذه الشبهة هو تحويل (الوحدة) إلى مبرر دائم للصمت.
فإذا قيل لكل مصلح: اسكت حتى لا تحدث فتنة، فسوف يصبح الظلم قادرًا على حماية نفسه بمجرد رفع شعار الاستقرار.
ولهذا كانت رسالة الإمام الحسين (عليه السلام) أن الأمة تحتاج إلى وحدة على أساس الحق، لا وحدة تقوم على الخوف.
وقد عبّر الإمام عن موقفه بقوله:
(لا أرى الموت إلا سعادة، والحياة مع الظالمين إلا برمًا) (٧)
فالحياة التي تقوم على قبول الظلم ليست هي الاستقرار الذي يريده الإسلام.
 
فإن تحميل الإمام الحسين (عليه السلام) مسؤولية إضعاف وحدة المسلمين يتجاهل أن الإمام لم يبدأ حربًا، ولم يدعُ إلى قتال المسلمين، ولم يكن هدفه تقسيم الأمة أو الوصول إلى السلطة بأي ثمن.
لقد رفض البيعة لأنه رأى أن السكوت في ذلك الظرف سيمنح الشرعية لما اعتبره انحرافًا خطيرًا، ثم حاول تجنب المواجهة، وطرح بدائل للانصراف، وأعطى أصحابه حرية تركه.
أما القتال فقد فُرض عليه بعد أن أُغلقت أمامه طرق العودة والتسوية.
وعليه، فإن السؤال الصحيح ليس: لماذا رفض الحسين الاستقرار؟
بل:
هل يمكن أن نسمي استقرارًا ذلك الذي لا يتحقق إلا بإسكات صوت الحق وإجبار شخصية دينية كبرى على منح الشرعية للظلم؟
إن نهضة الإمام الحسين (عليه السلام) تقدم مفهومًا أعمق للوحدة: وحدة الأمة لا تكون بإلغاء الضمير، وإنما باجتماعها على العدل والحق والكرامة.
الهوامش
(١) الشيخ المفيد، الإرشاد، ج٢، ص٣٣. 
(٢) المجلسي، بحار الأنوار، ج٤٤، ص٣٢٩.
(٣) الطبري، تاريخ الأمم والملوك، ج٥، ص٤١١. 
(٤) الشيخ المفيد، الإرشاد، ج٢، ص٩١. 
(٥) الشيخ المفيد، الإرشاد، ج٢، ص٧٨؛ الخوارزمي، مقتل الحسين، ج١، ص٢٣١.
(٦) ابن الأثير، الكامل في التاريخ، ج٤، ص١٧١. 
(٧) ابن طاووس، اللهوف في قتلى الطفوف، ص٩٦. المجلسي، بحار الأنوار، ج٤٤، ص١٩٢.

الامام_الحسين.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!