من الشبهات التي تُثار حول النهضة الحسينية أن الإمام الحسين (عليه السلام) عندما وصلته أخبار مقتل مسلم بن عقيل وهاني بن عروة، أصبح واضحًا أن أهل الكوفة قد تخلوا عنه، فلماذا لم يرجع إلى المدينة؟ ولماذا استمر في طريقه حتى انتهى الأمر إلى كربلاء؟
تبدو هذه الشبهة منطقية إذا افترضنا أن طريق المدينة كان مفتوحًا أمام الإمام، وأن السلطة كانت مستعدة للسماح له بالعودة. لكن قراءة الأحداث تكشف أن العودة لم تكن قرارًا يملكه الإمام بصورة مطلقة بعد أن أحاطت به قوات السلطة.
أولًا: الإمام لم يكن يعلم بالغدر منذ البداية
عندما غادر الإمام الحسين (عليه السلام) مكة متوجهًا إلى العراق، كانت لديه معلومات إيجابية عن موقف أهل الكوفة.
فقد سبقت ذلك رسائل كثيرة تدعوه إلى القدوم، ثم أرسل مسلم بن عقيل للتحقق من حقيقة الأمر.
وقد كتب مسلم إلى الإمام بما يفيد اجتماع الناس ومبايعتهم، فكان ذلك سببًا في استمرار الإمام في طريقه (١).
ومن ثم لا يصح القول إن الإمام انطلق وهو يعلم أن أهل الكوفة سيخذلونه.
ثانيًا: الأخبار وصلت إليه بصورة متأخرة
كان الإمام في الطريق عندما وصلته أخبار مقتل مسلم بن عقيل وهاني بن عروة.
وتذكر المصادر أنه عندما علم بذلك أخبر من معه بتغير الظروف، ولم يخفِ عنهم حقيقة الوضع (٢).
وهذا يعني أن الإمام لم يستمر في طريقه اعتمادًا على المعلومات القديمة، بل أصبح يتعامل مع واقع جديد.
ثالثًا: هل كان طريق المدينة مفتوحًا فعلًا؟
هنا تكمن المشكلة الأساسية.
فبعد وصول قوات الحر بن يزيد الرياحي، لم يعد الإمام يتحرك بحرية كاملة.
وقد طلب منه الحر ألا يدخل الكوفة، وألا يرجع إلى المدينة، وأن يسير في طريق لا يؤدي إلى الكوفة ولا إلى المدينة، حتى تصل أوامر السلطة (٣).
وهذا النص التاريخي مهم جدًا؛ لأنه يثبت أن خيار العودة إلى المدينة لم يكن متاحًا كما تفترض الشبهة.
لقد أصبح الإمام محاصرًا بين أوامر السلطة والقوة العسكرية الموجودة أمامه.
رابعًا: الإمام حاول تجنب المواجهة
لم يكن الإمام يريد أن يذهب إلى كربلاء ليقاتل.
فعندما التقى بالحر، خاطبه الإمام وبيّن أن أهل الكوفة هم الذين كتبوا إليه.
وقال:
(فإن كنتم على ما قدمت به كتبكم، فقد جئتكم، فاعطوني ما أطمئن إليه من عهودكم ومواثيقكم، وإن كنتم لمقدمي كارهين، انصرفت عنكم إلى المكان الذي أقبلت منه)(٤)
هذه العبارة شديدة الأهمية.
فالإمام أعلن استعداده للانصراف إذا كان أهل الكوفة لا يريدونه.
وهذا يعني أن استمرار الأزمة لم يكن بسبب إصراره على دخول الكوفة.
خامسًا: لماذا لم يعد إلى المدينة؟
لأن الحر لم يسمح له بذلك.
وتذكر المصادر أن الإمام طلب من الحر أن يتركه يرجع إلى المدينة، لكن الحر قال إنه مأمور بأن لا يفارقه حتى يقدمه إلى ابن زياد (٥).
إذن، المسألة لم تكن أن الإمام قال: (لن أرجع).
بل إن الواقع العسكري فرض عليه طريقًا آخر.
وهنا تسقط الشبهة من أساسها؛ لأن السؤال يفترض حرية الحركة، بينما الوقائع تتحدث عن مرافقة عسكرية وإجبار على السير في اتجاه معين.
سادسًا: الإمام لم يكن راغبًا في القتال
من الشواهد القوية أنه عندما واجه الحر وأصحابه، لم يبدأ الإمام القتال.
بل صلى الطرفان، وتبادلوا الحوار، وبقي الإمام يحاول الوصول إلى حل.
ثم لما طلب الحر منه أن يسير في اتجاه لا يؤدي إلى الكوفة ولا المدينة، استجاب الإمام حتى وصل إلى كربلاء (٦).
فلو كان هدف الإمام إشعال الثورة العسكرية، لكان بإمكانه الدخول في مواجهة مع الحر منذ ذلك الوقت.
لكنه لم يفعل.
سابعًا: ماذا فعل الإمام بعد الوصول إلى كربلاء؟
حتى بعد وصوله إلى كربلاء لم يبدأ الإمام بالقتال.
بل حاول أن يشرح موقفه، وطلب أن يُترك، وذكر خيارات متعددة لإنهاء الأزمة.
وقد نقلت المصادر أن الإمام عرض أن يرجع إلى المكان الذي جاء منه، أو أن يذهب إلى مكان آخر (٧).
وهذا يؤكد أن فكرة العودة لم تكن غائبة عن ذهنه.
ثامنًا: هل كان بإمكانه العودة سرًا ليلًا؟
قد يقال: لماذا لم يستغل الليل وينسحب؟
هذا الافتراض يتجاهل طبيعة الواقع العسكري.
فالإمام كان مع عائلته وأطفاله وأصحابه، وكان محاطًا بقوات تراقب تحركاته.
كما أن الانسحاب العسكري مع مجموعة كبيرة من النساء والأطفال في أرض مفتوحة ليس أمرًا بسيطًا.
والأهم أن الإمام لم يكن يريد أن يبدأ حربًا لفتح طريق العودة.
فهو لم يكن يبحث عن معركة، وإنما كان يريد موقفًا يحفظ كرامته ومبدئه.
تاسعًا: لماذا لم يقبل البيعة وينتهي الأمر؟
هنا نصل إلى أصل المسألة.
العودة كانت ستنهي الأزمة لو سمحت بها السلطة.
لكن السلطة لم تطرح أمام الإمام خيارًا مفتوحًا، بل أصبح المطلوب منه الخضوع والبيعة.
وقد عبّر الإمام عن موقفه بقوله:
(ومثلي لا يبايع مثله) (٨)
ومن ثم فإن المشكلة لم تكن فقط في المكان الذي يذهب إليه الإمام، بل في المبدأ الذي كان يُطلب منه التنازل عنه
عاشرًا: الإمام لم يتحمل مسؤولية غدر الكوفيين
من الخطأ أن نقول إن الإمام كان يجب أن يتحمل نتيجة غدر أهل الكوفة وكأنه المسؤول عن خيانتهم.
الإمام اتخذ خطوة للتحقق من موقفهم، وأرسل مسلم بن عقيل، وقد وصلته منه أخبار إيجابية.
ثم عندما تغيرت الظروف، حاول العودة، لكن السلطة منعته.
فالمسؤولية الأخلاقية عن الغدر تقع على من غدر، لا على من وثق بعد أن اتخذ أسباب التحقق.
ومن هنا يمكن اختصار الجواب في عبارة واحدة:
لم يكن السؤال: لماذا لم يرجع الحسين (عليه السلام) إلى المدينة؟ بل السؤال التاريخي الأدق: لماذا مُنع الحسين (عليه السلام) من الرجوع إليها؟
وهذه النقطة تكشف الفرق بين قراءة الحدث من نهايته، وبين دراسة الأحداث كما وقعت خطوةً بعد خطوة.
الهوامش
(١) الطبري، تاريخ الأمم والملوك، ج٥، ص٣٥٥.
(٢) الشيخ المفيد، الإرشاد، ج٢، ص٧٥.
(٣) الطبري، تاريخ الأمم والملوك، ج٥، ص٣٩٩.
(٤) الخوارزمي، مقتل الحسين، ج١، ص٢٣٣.
(٥) ابن الأثير، الكامل في التاريخ، ج٤، ص٦١.
(٦) الشيخ المفيد، الإرشاد، ج٢، ص٧٩-٨١.
(٧) الطبري، تاريخ الأمم والملوك، ج٥، ص٤١١.
(٨) الشيخ المفيد، الإرشاد، ج٢، ص٣٣.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!