كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

شبهات وردود حول النهضة الحسينية / القسم الحادي والعشرون : إذا كانت ثورة الإمام الحسين (عليه السلام) إلهية، فلماذا لم ينتصر فيها ؟

من أكثر الشبهات تداولًا حول النهضة الحسينية القول: إن الإمام الحسين (عليه السلام) كان يدّعي أنه صاحب الحق، وأن نهضته تمثل إرادة الله تعالى، فلو كان كذلك لنصره الله كما نصر الأنبياء والمؤمنين في مواطن كثيرة، أما وقد انتهت الثورة باستشهاده وأصحابه، فهذا يدل ـ بزعمهم ـ على أنها لم تكن مؤيدة من الله تعالى.
     وتقوم هذه الشبهة على فهمٍ مادي لمفهوم النصر، إذ تحصره في الانتصار العسكري، بينما يؤكد القرآن الكريم والسنة والتاريخ أن النصر الإلهي أوسع من مجرد الغلبة في ساحة القتال، فقد يكون النصر في حفظ الرسالة، أو كشف الباطل، أو تغيير وعي الأمة، وإن لم يتحقق النصر العسكري.
      فالقرآن الكريم يحدثنا عن عدد من الأنبياء الذين قُتلوا على أيدي أقوامهم، فقال تعالى: ﴿ويقتلون النبيين بغير الحق﴾، فهل يعني ذلك أنهم كانوا على باطل؟! كما يذكر القرآن قصة أصحاب الأخدود الذين أُحرقوا أحياءً لثباتهم على الإيمان، ولم يكن استشهادهم هزيمة، بل كان أعظم صور الانتصار للعقيدة.
      فإن نجاح أي مشروع لا يُقاس دائمًا بنتيجته العسكرية المباشرة، بل بقدرته على تحقيق أهدافه. فقد تخسر أمةٌ معركةً، لكنها تكسب التاريخ، وقد ينتصر جيشٌ في ساحة القتال، لكنه يسقط أخلاقيًا وسياسيًا.
ولو جعلنا الانتصار العسكري هو المعيار الوحيد للحق، للزم أن يكون كل طاغيةٍ انتصر في معركةٍ على حق، وهو ما يرفضه العقل والدين معًا.
أما من الناحية التاريخية، فإن الإمام الحسين (عليه السلام) أعلن منذ بداية نهضته أن هدفه ليس الوصول إلى الحكم، وإنما إصلاح الأمة، فقال:
(إني لم أخرج أشِرًا ولا بطرًا، ولا مفسدًا ولا ظالمًا، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر.) (١)
فإذا كان الهدف هو الإصلاح وكشف الانحراف، فإن التاريخ يشهد بأن النهضة الحسينية حققت هذا الهدف بأوضح صورة.
فبعد استشهاد الإمام الحسين (عليه السلام)، لم تستطع الدولة الأموية أن تستعيد مكانتها الأخلاقية، بل توالت عليها الثورات والاعتراضات، وظهرت حركة التوابين، ثم ثورة المختار، ثم الثورات التي انتهت بسقوط الدولة الأموية نفسها بعد أقل من سبعين سنة من واقعة كربلاء (٢).
بل إن يزيد نفسه، الذي ظن أنه انتصر في عاشوراء، لم يهنأ بانتصاره؛ إذ لم يدم حكمه سوى سنوات قليلة، ثم مات، ودخلت الدولة في اضطراباتٍ سياسية متلاحقة (٣).
ومن جهة أخرى، فإن الإمام الحسين (عليه السلام) بقي حيًا في ضمير الأمة، بينما لم يبق من أسماء قاتليه إلا الذكر السيئ. وهذا بحد ذاته صورةٌ من صور النصر التاريخي والأخلاقي.
وقد عبّرت السيدة زينب (عليها السلام) عن هذه الحقيقة في مجلس يزيد بقولها:
(فكد كيدك، واسع سعيك، وناصب جهدك، فوالله لا تمحو ذكرنا، ولا تميت وحينا) (٤)
وقد أثبت التاريخ صدق هذا الكلام؛ فبعد أكثر من أربعة عشر قرنًا لا تزال رسالة الإمام الحسين (عليه السلام) حيةً في ضمير المسلمين، بينما اندثرت الدولة الأموية، ولم يبق منها إلا صفحات التاريخ.
كما قال الإمام الحسين (عليه السلام) يوم عاشوراء:
(ألا ترون أن الحق لا يُعمل به، وأن الباطل لا يُتناهى عنه؟) (٥)
لقد كان هدفه إيقاظ ضمير الأمة، وقد تحقق ذلك؛ إذ أصبحت كربلاء معيارًا يُقاس به الحق والباطل، وأصبحت الثورة الحسينية مصدر إلهام لكل حركات الإصلاح في التاريخ الإسلامي.
ومن هنا، فإن النصر الحقيقي للإمام الحسين (عليه السلام) لم يكن في البقاء حيًا، وإنما في بقاء مبادئه حية، وفي سقوط الشرعية الأخلاقية لخصومه. 
     وعليه، فإن القول بأن عدم الانتصار العسكري دليلٌ على بطلان نهضة الإمام الحسين (عليه السلام) ناشئ عن فهمٍ قاصر لمعنى النصر في الإسلام. فالقرآن والتاريخ يؤكدان أن النصر قد يتحقق بحفظ الرسالة وكشف الباطل، وهو ما أنجزته النهضة الحسينية بأكمل وجه، حتى أصبحت كربلاء رمزًا خالدًا لانتصار المبادئ على القوة، والحق على الظلم، والرسالة على السلطان.
الهوامش
(١) المجلسي، بحار الأنوار، ج٤٤، ص٣٢٩.
(٢) الطبري، تاريخ الأمم والملوك، ج٦، ص١-١٨٥. 
(٣) اليعقوبي، تاريخ اليعقوبي، ج٢، ص٢٦٤-٢٦٨.
(٤) ابن طاووس، اللهوف على قتلى الطفوف، ص١٥٥. 
(٥) الشيخ المفيد، الإرشاد، ج٢، ص٧٨. 

الحسين(ع).jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!