يتميز بلدنا ، بأنه واحدا من بين عشرة دول الأكثر شبابية في العالم من حيث الاعمار ، ووفقا لمصادر دولية ، فإننا في الترتيب السادس عالميا بمعدل عمر يبلغ 22.4 سنة ، واستنادا لعدد السكان الذي يقدر بأكثر من ( 46 ) مليون نسمة ، فإننا نمتلك ثروات بشرية هائلة يمكن توظيفها بمختلف القطاعات والأعمال ، وتتميز بالتنوع ومهيأة للعمل و صالحة للتكيف لمختلف الظروف ، فضلا عن امتلاك الرغبات و القدرات ، ونسبة كبيرة منهم متعلمين ومن خريجي الكليات والمعاهد ومراكز التدريب المهني ، فالبلد يمتلك الجامعات الحكومية والأهلية التي يبلغ عددها أكثر من ( 143) ، وهي قادرة على استيعاب كامل مخرجات التعليم الثانوي ، و في بلدنا لا يزال هدف مقعد جامعي لكل خريج إعدادية قائما وساريا منذ أعوام دون انقطاع .
والمشكلة التي تواجه الشباب منذ سنوات ، هي عدم قدرة أسواق العمل المحلية من تلبية العرض ، لذا تنتشر البطالة رغم سياسات التوسع في التوظيف التي اتبعتها الحكومات بعد عام 2003 ، وبموجبها بلغ عدد العاملين في الأجهزة الحكومية أكثر من 4.5 مليون ، وحسب مصادر رسمية ، فان عدد العاطلين حاليا بحدود ( 2 ) مليونين ، بعضهم القليل يتلقون إعانات اجتماعية حكومية بسيطة لتدبر البعض من أساسيات الحياة ، وهناك عاملان مهمان يعيقان التشغيل الكلي للعاطلين ، أولهما محدودية فرص العمل في القطاع الخاص لمحدودية الأعمال والاعتماد على الاستيراد ، في ظل اقتصاد ريعي يعتمد على صادرات النفط في التمويل ، والثاني عدم قدرة الأجهزة الحكومية في توظيف المزيد لأسباب مالية ، سيما وان الترهل الوظيفي واضحا للعيان ، والبطالة تسبب إضرارا على العاطلين ، سواء بتوفير الاحتياجات والشعور بالذات او في تقادم ما يملكون من معارف ومهارات ، وقد تنتقل آثارها على الأوضاع النفسية والاجتماعية والأمنية .
وقد حاولت بعض الجهات الحكومية والجامعات ومنظمات المجتمع المدني إيجاد مخرج للموضوع ، ولكن المشكلة تتعاظم يوما بعد يوم لعدة أسباب ، بعضها تعود لنسبة النمو السكاني البالغة 2.5% التي تنتج سنويا أفواجا من العاطلين سواء من الخريجين او الآخرين ، وبعضها تعود للسياسات المتعلقة بالتعامل مع الوافدين الأجانب ، و يشكل عددهم الرسمي ( 47 ) ألف وغير الرسمي أكثر من مليون ، والسبب الآخر يرتبط بالبطء في معدل التنمية المستدامة وتتحمل الدولة الحصة الكبيرة من إسهاماتها ولا يتوقع لها النهوض بضوء الازمات المالية التي تتعرض لها البلاد ، وهناك أسباب أخرى تتعلق بالبيئة المحلية التي لم تتمكن من جذب الاستثمارات الأجنبية ، إلا في بعض قطاعات الطاقة والتعدين ، واغلبها تسخر العمالة الأجنبية رغم النصوص القانونية التي تفرض قيود بأن تكون نسبة منهم من المحليين .
إن التضخم بعدد العاطلين من الزيادة السكانية والخريجين ، يمكن أن يتحول إلى كرة الثلج التي لها العديد من التداعيات إن لم توضع لها الحلول ، والحلول المحلية غير متاحة ، لان الأجهزة الحكومية تسعى لتقليل عدد العاملين بإيقاف التعيين وتشجيع الخروج المبكر للتقاعد ، او منح إجازات طويلة للموظفين بموافقة ومباركة مجلس النواب ، والقطاع الخاص بوضعه الحالي ( او في القريب ) لم يعطي إشارات أمل باستقطاب العدد المتزايد من العاطلين ، وذلك يستدعي إيجاد مخارج وحلول مناسبة ، والمخرج الأفضل هو التشغيل الخارجي المنظم للعاطلين ، من خلال تشكيل او تكليف هيئة تختص بتشغيل ورعاية الشباب الراغبين بالعمل خارج البلاد ، بعلاقة عقدية نظامية فيها ضمان مستقبلي والتزام ، ويكون الهدف والأخير هو استثمارهم كثروة وطنية وتامين حقوقهم بالكمال ، وعمل الشباب خارج البلاد ليس عيبا كونه واقعيا ، بدليل إن الآلاف من العراقيين يعملون بالعديد من الدول أفرادا او مع العائلات ، ومنظمات الهجرة تشير بان عدد المهاجرين العراقيين بحدود 4 ملايين ، ونسبة كبيرة منهم يتدبرون أمورهم من مردودات الأعمال ، وبعض الدولة تعتبر العمالة العراقية مرغوبة لما يتسمون به من إخلاص وكفاءة وانضباط .
إن اختزال القضية بشعارات الوطنية بالحفاظ على الشباب ، من دون توفير فرص حقيقية لاستثمار طاقاتهم ، لن يحل مشكلة البطالة التي قد تنفجر يوما ما ، وهؤلاء لم يجدوا حلا محليا منذ سنوات وعقود ، و لهم احتياجات ورغبات متجددة بمختلف المجالات وكبتهم ليس في صالح الجميع ، وإن زجهم بأعمال خارج البلاد من خلال عقود ضامنة وفيها التزامات لعدد من السنوات يعودون بعدها للبلاد ، ليس بالفوضى والهجرة غير المشروعة ، بل من خلال إطار مؤسسي موثوق ، من الممكن أن يوفر الكثير من الحلول ، أولا للعاطل لأنه إنسان ، وثانيا لإيقاف نزيف الهجرة لما فيها من أخطار ، وثالثا لاقتصاد وسمعة البلاد ، ورابعا لمصلحة البلد الجاذب ، وهي حالة سائدة لدى العديد من البلدان ( الهند ، الفلبين ، مصر ، لبنان ، اليمن .. غيرها ) ، وان قيام هيئة ( عامة او خاصة تكلف بالموضوع ) ، يتطلب حصر عدد الراغبين وتصنيفهم حسب الجنس والعمر والقدرات والخبرات ، و يتم التنسيق مع الدول والمنظمات والمواقع لإيجاد فرص العمل ، وبالذات الدول التي تقدم ضمانات ورواتب للانتقال للعيش فيها ، وتواجه بدرجات متفاوتة تحديات مرتبطة بشيخوخة السكان ونقص بعض المهارات والعمالة ، كان تكون مثلا ( ايرلندا ، ايطاليا ، تشيلي ، سويسرا ، نيوزلندا ، ألمانيا ، الولايات المتحدة ، كندا ، استراليا ، كوريا ج ) .
وان ضمان النجاح في عملية الحصول على فرص العمل ، ممكن من خلال الإيفاء بالمعايير التي تطلبها الجهات ، وأبرزها السيرة الذاتية المتوافقة مع ( الخبرة والتخصص ، الرغبة بالعمل ، القدرة على الاندماج ، وثائق مثبتة ) ويتبع ذلك المقابلات والاختبار ، وهي أمور يمكن تحضير و استكمال متطلباتها ، وبالذات اللغة وثقافة البلد ببرامج تدريبية وفعاليات تطويرية يمكن أن تسهم بها الجامعات ومراكز الخبرة والوزارات ، وعملية البحث عن الفرص ممكنة ومتاحة من خلال التنسيق الثنائي بين دول ، او من خلال منظمات العمل المحلية والدولية والمؤسسات المختصة ، او من خلال عشرات المنصات الدولية والإقليمية المتخصصة في عرض الوظائف وربط الباحثين عن العمل بأصحاب العمل ، ومنها مثلا مواقع ( Gulf Talent ، Bayt ، Hays ) ، وان قبول فكرة الموضوع ، يمكن أن يتطور لحلول تهدف لتقليل البطالة بضمان حقوق الشباب ، عند تبنيه من قبل الجهات المعنية بمختلف التخصصات ، ويمكن أغنائه لاحقا بتفاصيل أوسع وأدق .
✦ كتابات في الميزان ✦
يطرح المقال التشغيل الخارجي المنظّم بوصفه مسارًا مساعدًا لتقليص بطالة الشباب العراقي، من خلال عقود قانونية تضمن الحقوق وتربط الكفاءات المحلية بأسواق العمل الدولية. غير أن نجاح الفكرة يتطلب مؤسسة متخصصة، واتفاقات رسمية، وبرامج لغوية ومهنية تحمي الشباب من الاستغلال والهجرة غير الآمنة، من دون أن تصبح بديلًا عن تنمية الاقتصاد الوطني وخلق فرص العمل داخليًا.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!