كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

كيف تتم سرقة المال العام؟

المال العام هو كل ما تملكه الدولة أو تديره لتحقيق المنفعة العامة، ويشمل العقارات والمنقولات المخصصة لخدمات الجمهور، وكذلك الممتلكات والشركات الحكومية والمرافق العامة. وقد عرّفه القانون المدني العراقي في المادة (71/1) بأنه: «تُعدّ أموالاً عامة العقارات والمنقولات التي للدولة أو للأشخاص المعنوية العامة، والتي تكون مخصصة لمنفعة عامة بالفعل أو بمقتضى القانون».

وعلى هذا الأساس، تمتلك الدولة أموالاً عقارية ومنقولة؛ فالأموال العقارية تتمثل بالطرق، ومباني الوزارات والمؤسسات، والأراضي الأميرية، وغيرها. أما الأموال المنقولة فتتمثل بأثاث المرافق العامة وأدواتها المختلفة، والسلع التموينية المعدّة للتوزيع، والأوراق المالية المودعة في البنوك.

إن الحفاظ على المال العام من الواجبات الشرعية والقانونية، وإن اختلفت المذاهب الإسلامية في بعض الأحكام المتعلقة بالمال مجهول المالك. فقد نهى الله سبحانه وتعالى عن أكل أموال الناس بالباطل، فقال: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: 188]. كما حذّر النبي صلى الله عليه وسلم من أخذ المال العام بغير حق، إذ رُوي عنه أنه قال: «وإن هذا المال حلوة، فمن أخذه بحقه فنِعم المعونة، ومن أخذه بغير حقه كان كالذي يأكل ولا يشبع».

كما أضفى الدستور العراقي حرمة على المال العام، إذ نصت المادة (27) على ما يأتي:
أولاً: للأموال العامة حرمة، وحمايتها واجب على كل مواطن.
ثانياً: تُنظَّم بقانون الأحكام الخاصة بحفظ أملاك الدولة وإدارتها وشروط التصرف فيها، والحدود التي لا يجوز فيها النزول عن شيء من هذه الأموال.

كذلك يفرض قانون العقوبات العراقي رقم (111) لسنة 1969 عقوبات على جرائم المال العام، بموجب المواد المتعلقة بالرشوة والاختلاس وتجاوز حدود الصلاحية وغيرها من الجرائم.

والسؤال الذي يتكرر باستمرار هو: إذا كان التجاوز على المال العام من المحرمات والممنوعات قانوناً، فكيف تمّ ويتم الاعتداء عليه من خلال صور الفساد المختلفة، التي تشمل السرقات والاستيلاء على الممتلكات، وتعطيل المشاريع ومصالح الناس، والإثراء غير المشروع، وغيرها من الظواهر التي تزداد يوماً بعد يوم؟

لقد تجاوزت بعض هذه الحالات حدود المعقول، حين بلغت أرقامها وأحجامها مستويات تفوق كل المصدّات والوسائل التي كان ينبغي اتباعها للحيلولة دون تفاقم المشكلة. والمشكلة لا تكمن فقط فيما تم الكشف عنه، بل في الحجم الحقيقي للجرائم والمخالفات التي لا تزال خارج قبضة السلطات.

ورغم أن الكشف عن حالات الفساد لم يتوقف منذ عقود، فإن ما تم الكشف عنه في عملية «صولة الفجر» يثير الاستغراب حقاً، من حيث حجم الأموال المعلن عنها بالأدلة والبراهين، والمراكز الوظيفية للمتهمين، وطبيعة المرافق العامة التي وقعت فيها السرقات والفساد. وهذا يشير إلى وجود استباحة للحدود القانونية، تسمح بالأريحية والتمادي في تلك الممارسات.

إن الاستغراب من هذا الواقع أمر مشروع؛ لأن الجهاز الإداري الحكومي في العراق ليس حديث العهد، وقد ورثنا العديد من سماته منذ تأسيس الدولة العراقية عام 1921. كما أن تقاليده وسياقاته تطورت لمواكبة تطبيقات متعددة، فضلاً عن وجود هيكل حكومي معروف بتدرجه، من مجلس الوزراء إلى أبسط التشكيلات من الشعب والوحدات.

ويجري كل ذلك في ظل أنظمة رقابية تبدأ من الوحدات الحسابية المسؤولة عن الصرف والإيراد، إلى الأجهزة الرقابية العريقة، مثل ديوان الرقابة المالية وهيئة النزاهة، التي يسندها القضاء، فضلاً عن سلطة مجلس النواب في الاستضافة والاستجواب.

ولأن الأمر لا يتعلق بحالة واحدة، بل بسلسلة من المخالفات المتعددة، فإن ذلك يؤشر وجود خلل في عدد من المفاصل والتسلسلات الإدارية التي تسمح بحدوث التجاوزات. ومن هنا تبرز أهمية تشخيص نقاط الخلل والضعف للحد مما يجري داخل السياقات الإدارية وخارجها، ولا سيما أن العراق يمتلك موازنات اتحادية سنوية بمليارات الدولارات، الأمر الذي يتطلب كشفاً سريعاً وإجراءات حاسمة لإيقاف نزيف الهدر والفساد وما ينتج عنه من ضعف في الخدمات وتراجع في مستوى المعيشة.

إن تحليل هذه الظاهرة يكون ممكناً وبسيطاً عندما يتعلق الأمر بمخالفة أو انحراف فردي؛ إذ يمكن كشفه من خلال لجنة تحقيقية وإجراءات تستند إلى قانون انضباط موظفي الدولة رقم (14) لسنة 1991. لكن الموضوع يصبح خطيراً جداً عندما يكون مكمن الفساد في رأس الجهاز الإداري، بما يؤشر إلى استشراء حالة من الفساد المنظّم أو النظمي، تشترك فيها أطراف عديدة من داخل الجهاز الحكومي وخارجه.

وعند التساؤل عن أسباب ذلك، فإن الجواب يكمن في أن عمليات الفساد والسرقات الكبيرة، بحجم ما يتم الكشف عنه، تتطلب إسهاماً جماعياً من الإدارة والحسابات والرقابة الداخلية والجهات الفنية، مروراً بجميع الحلقات ذات العلاقة. ثم تتعدى ذلك إلى عمليات الصرف بمبالغ ضخمة بالدينار والدولار عبر المصارف والتحويلات، مع وجود إسناد من أحزاب وجهات وأطراف أخرى.

وغالباً ما تترك السرقات وراءها خصومات وحسّاداً وأعداءً بسبب الإجراءات وتقاسم الغنائم، إلا أن كثيراً من الوقائع لم تظهر إلى العلن بسبب غياب الإبلاغ أو الخوف من العواقب.

إن حدوث اعتداءات على المال العام بمستوى يحتاج إلى «صولات» ووضع الأجهزة الأمنية في حالة إنذار، يرقى إلى مستوى يتطلب تحليلاً عميقاً ودقيقاً لمعرفة المسببات. فالتمادي إلى حدود غير معقولة يؤشر إلى وجود خلل بنيوي في تركيبة وأداء بعض الأجهزة الإدارية.

ويمكن تحديد بعض الأسباب التي تخلق فراغات أو فجوات تسمح بالفساد، ومنها:

إعداد الموازنة الاتحادية بطريقة تقليدية تستند إلى الأبواب، مع التأخر في إعدادها وإصدارها لأشهر بعد بداية السنة المالية، أو غيابها لأعوام، فضلاً عن أساليب مناقشتها في البرلمان قبل الإقرار.
الاستثناءات الممنوحة في تعليمات الموازنة أو قرارات مجلس الوزراء، والتي قد تفتح الباب أمام التجاوزات.
غياب التحليل الدقيق للحسابات الختامية، والعجلة في المصادقة عليها، والمجاملات الإدارية والسياسية في هذا المجال.
بقاء عدد كبير من مناصب الدولة يُدار بالوكالة لسنوات طويلة، بما يسبب عدم الاستقرار ويضعف المساءلة.
ضعف معايير الكفاءة في التعيينات والمناصب الإدارية، واعتماد بعضها على الشللية والمحسوبية وتقريب أصحاب الولاء.
ضعف أنظمة الرقابة الداخلية، مما يجعل عمل الأجهزة الرقابية المالية أقل فاعلية، ولا سيما في التدقيق اللاحق لعمليات الصرف.
التأخر الكبير في تطبيق الحكومة الإلكترونية والحوكمة الرقمية في إنجاز المعاملات والإجراءات الحكومية.
إن ما نذكره من أسباب ونتائج ليس جديداً، بل هو تكرار لما يُطرح منذ سنوات على شكل شعارات. غير أن العبرة تكمن في وجود الإرادة الحقيقية والرغبة الفعلية في التغيير، لا في الندم على ما جرى ويجري من تجاوزات، ولا في رفع إشارات النصر بعد الكشف عن الفساد بوصفه إنجازاً بحد ذاته.

وخلاصة القول: إن مسلسل الكشف والإخفاء سيبقى مستمراً ما لم تُتخذ معالجات حقيقية وشاملة لجميع أنواع الفساد ومنافذه. ومن دون ذلك لن تُصان حرمة المال العام، وستبقى القضية أشبه بجبل جليدي عائم في البحر؛ يظهر منه جزء صغير، فيما يبقى الجزء الأكبر مخفياً تحت السطح.

✦ كتابات في الميزان ✦
يتناول النص مفهوم المال العام وحرمته الشرعية والدستورية والقانونية في العراق، ثم يطرح تساؤلاً عن أسباب استمرار سرقته رغم تعدد أجهزة الرقابة والقوانين.
ويبيّن أن الفساد الكبير لا يكون غالباً عملاً فردياً، بل نتيجة شبكة من الخلل الإداري والرقابي والسياسي والمالي.
كما يحدد النص عدداً من أسباب الفساد، مثل ضعف الرقابة، والمحاصصة، وإدارة المناصب بالوكالة، وتأخر التحول الرقمي.
ويخلص إلى أن مكافحة الفساد تحتاج إلى إرادة حقيقية وإصلاحات شاملة، لا تقتصر على كشف الحالات بعد وقوعها.

مجلس القضاء.jpeg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!