كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

إلى دولة رئيس الوزراء: إنقاذ الصحافة الورقية مسؤولية تأريخية لحماية إرشيف الأجيال

تواجه الصحافة الورقية في عالمنا المعاصر تحديات وجودية متسارعة فرضتها الطفرة الرقمية الهائلة، إلا أن هذا الإرث المعرفي والوثائقي يظل محتفظاً بقيمته الجوهرية كركيزة أساسية من ركائز الوعي المجتمعي والتوثيق التاريخي. وفي بلد مثل العراق، يمتد عمق الصحافة المطبوعة لقرون، حاملاً معه تاريخ أمة بأكملها ومسجلاً تحولاتها السياسية والاجتماعية والثقافية، مما يجعل الحفاظ على هذا الإرث مسؤولية وطنية ودولية تتطلب استراتيجيات دعم حقيقية تضمن استمراريتها للاجيال القادمة.

إن حماية الصحافة المطبوعة ليست ابتكاراً محلياً، بل هي استراتيجية سيادية تتبناها أعرق الديمقراطيات العالمية لحماية أمنها المعرفي؛ ففي فرنسا على سبيل المثال، تدير وزارة الثقافة منظومة "دعم الصحافة" (Aides à la presse) بميزانيات ضخمة، حيث خصصت الدولة حزماً استثنائية بلغت 483 مليون يورو بين عامي 2020 و2022 لمواجهة الأزمات التشغيلية، وقدمت في عام 2023 وحده أكثر من 194 مليون يورو كدعم مباشر ذهبت ملايين منها لضمان بقاء صحف عريقة؛ فحصلت جريدة Le Figaro على 9.9 مليون يورو، وصحيفة Le Monde على 7.8 مليون يورو. وفي السويد—التي تُصنف كواحدة من "دول الرفاه الإعلامي" منذ إطلاق نظام دعم الصحف التاريخي بالنرويج عام 1969—أقرت الحكومة السويدية في ميزانيات عام 2025 نظام دعم مطوراً منح كبريات المجموعات الصحفية مثل مجموعة Bonnier News Local دعماً ماليّاً مباشراً بلغت قيمته 250 مليون كرونة سويدية لضمان استقرار إصداراتها الورقية والرقمية وتنوعها.
من "الزوراء" إلى التعددية: قرن ونصف من الحراك الفكري

تضرب الصحافة العراقية بجذورها في عمق التاريخ الحديث منذ صدور صحيفة "الزوراء" عام 1869 كأول جريدة رسمية في بغداد أسسها الوالي مدحت باشا، لتشكل الحجر الأساس في مدونة الوعي العراقي. ومنذ ذلك الحين، مرت الصحافة الورقية بمراحل ومحطات تاريخية متباينة؛ فشهدت حقبة "الصحافة الحزبية" التي كانت صوتاً للتيارات السياسية المتنوعة وميداناً للمساجلات الفكرية وصناعة الرأي العام. كما برزت "الصحافة القطاعية" المتخصصة التي خاطبت فئات محددة كالعمال والفلاحين والمهنيين، تزامناً مع أوج "الصحافة الثقافية" التي جعلت من بغداد والعواصم العربية منارات للإبداع الأدبي والنقدي، حيث كانت الصفحات الثقافية والملاحق الأدبية بمثابة وثائق مرجعية تؤسس للمدارس الفكرية المختلفة.

الصحيفة كوثيقة مادية: حجة قانونية في المحاكم الدولية

لا تقتصر قيمة الصحيفة الورقية على نقل الخبر الآني، بل تكمن قيمتها العليا في كونها وثيقة مادية غير قابلة للتعديل أو الاختراق أو الحذف، على عكس المحتوى الرقمي المعرض للقرصنة والتلاشي. إن الكلمة المطبوعة على الورق هي وثيقة تاريخية وقانونية دامغة لحفظ الأحداث، وصيانة الحقوق، وتثبيت التواريخ والأسماء. ولهذا السبب، تظل الصحف الورقية حتى اليوم مراجع أساسية تعتمدها المحاكم الدولية وهيئات المقاضاة والتحكيم عبر العالم، حيث يُنظر إلى المادة المطبوعة كدليل مادي قطعي لا يقبل التشكيك في سياق النزاعات القانونية والسياسية وحقوق الإنسان.
مسؤولية الدولة وجريدة "الوقائع العراقية" كنموذج أرشيفي تتحمل الدولة المسؤولية الأكبر في دعم استمرار الصحافة المطبوعة باعتبارها إحدى أهم المؤسسات الأرشيفية التي تحفظ ذاكرة الوطن للأجيال القادمة. وتبرز جريدة "الوقائع العراقية" الورقية كنموذج حي ومثالي لهذه القيمة الأرشيفية؛ فهي الجريدة الرسمية للدولة التي توثق التشريعات، والقوانين، والمراسيم الجمهورية، والقرارات الحكومية منذ عقود. وبدون هذه الأوعية الورقية الرصينة، يلوح خطر ضياع الهوية التوثيقية للبلاد، مما يستوجب صياغة سياسات وطنية حازمة لحماية الصحافة المطبوعة من الاندثار.خارطة طريق للإنقاذ: عدالة الإعلانات وتسهيلات الطباعةلتحقيق الاستدامة وحماية المؤسسات الصحفية الورقية من الانهيار المالي، بات من الضروري تبني حلول عملية عاجلة، تبدأ بإنشاء جرد دقيق وشامل لكافة الصحف الورقية التي تحتاج إلى دعم مادي حقيقي. ويجب أن يتبع هذا الجرد توزيع عادل للإعلانات الحكومية كشريان حياة مالي، دون تمييز أو تفضيل لصحيفة على أخرى بناءً على المحسوبية أو العلاقات الشخصية، بل استناداً إلى معايير مهنية واضحة ومجردة. بالإضافة إلى ذلك، يتطلب الأمر خطوة ملموسة من الدولة لتوفير ودعم عمليات الطباعة، من خلال تقديم الورق ومستلزمات الطبع بأسعار رمزية تخفف من كاهل المصاريف التشغيلية الباهظة التي تهدد بإغلاق كبريات المؤسسات الإعلامية.تحرير الصحافة من البيروقراطية الحكومية وضمان التدفق الخبريإن النهوض بواقع الصحافة الورقية يستلزم تحريرها من الاجتهادات الشخصية والمزاجية لبعض المفاصل والدوائر الحكومية. ويتأتى ذلك عبر إلزام الجهات الرسمية باعتماد المخاطبات الواردة من الصحف بناءً على أدلة مادية واضحة تثبت مواظبتها على الصدور الفعلي ونزولها إلى الأسواق، وفق تراتبيتها المعتمدة سواء كانت صحفاً يومية أو أسبوعية، بعيداً عن التعقيدات الإدارية الطاردة. كما يجب منح هذه الصحف حقوقاً كاملة وغير مشروطة في تغطية الأنشطة والمؤتمرات الرسمية للرئاسات الثلاث (رئاسة الجمهورية، ورئاسة الوزراء، ومجلس النواب)، مع التركيز بشكل خاص على رئاسة الوزراء بصفتها السلطة التنفيذية المباشرة.وفي الختام، يمثل إلزام الوزارات والدوائر الحكومية كافة بالاشتراك الفعلي في هذه الصحف، ومتابعة ما ينشر فيها، خطوة أساسية لتعزيز الشراكة بين الإعلام والدولة. إن منح الصحافة الورقية التصريحات، والأخبار، واللقاءات الحصرية دون بيروقراطية، أو تعالٍ، أو تمييز، ليس مجرد دعم لقطاع يعاني، بل هو استثمار حقيقي في شفافية الدولة وحفظ أرشيفها الوطني من الضياع في فضاء رقمي مؤقت ومتقلب.

الصحف_العراقية.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!