كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

مفارقة الوفرة والهدر: المسارات الهيكلية والسياسية لإصلاح قطاع الكهرباء في العراق

الإنفاق الإجمالي التراكمي على قطاع الكهرباء في العراق منذ عام 2003 وحتى عام 2026 يتجاوز عتبة 100 مليار دولار أمريكي.
تذهب هذه الأموال بين موازنات استثمارية لبناء المحطات وموازنات تشغيلية مخصصة لشراء الغاز المستورد، صيانة الشبكات المتهالكة، وتغطية الرواتب.
يُقدم هذا التقرير المحدث مراجعة شاملة مدعومة بالكلف المالية الدقيقة وعقود الشركات مع توثيق حجم الإنفاق الإجمالي وتخصيصات الوزارة التاريخية.
أولاً: جذور الأزمة، الأسباب، والمتطلبات
• الجذور التاريخية:
بدأت أزمة الطاقة منذ ثمانينات القرن الماضي جراء استهداف المنشآت الحيوية في الحرب العراقية الإيرانية وحرب الخليج عام 1991.
وفاقم الحصار الاقتصادي المعضلة بمنع التحديث والصيانة.
بعد عام 2003، تعرضت المنظومة لعمليات نهب وتخريب إرهابية ممنهجة لأبراج النقل. ورافق ذلك انفجار سكاني واستهلاكي ضخم دون تحديث مكافئ للبنى التحتية للتوزيع.
• الأسباب البنيوية الحالية: تكمن المشكلة في الفقدان الفني والتجاوزات على خطوط التوزيع التي تلتهم ما يقارب 50% إلى 60% من الطاقة المتولدة.
كما يرتبط أكثر من نصف إنتاج المحطات بالغاز المستورد الذي يشهد تقلبات مستمرة وتوقفاً للإمدادات، وسط استمرار العراق بحرق غازه المحلي.
• المتطلبات العاجلة والحلول: يتطلب قطاع الكهرباء تصفير حرق الغاز المصاحب لتحقيق الاكتفاء الوقودي ذاتياً، وإحلال أنظمة الجباية الإلكترونية والعدادات الذكية لوقف الهدر والتجاوزات، مع استكمال خطوط الربط الإقليمي ومشاريع الطاقة الشمسية لتأمين استقرار الشبكة صيفاً.
ثانياً: الخارطة التاريخية للتعاقدات الدولية وكلفها الماليةارتبطت تعاقدات قطاع الكهرباء برؤساء الوزراء المتعاقبين، حيث جرت صياغة الصفقات كحزم مليارية تداخلت فيها الضغوط السياسية الدولية:
• حقبة نوري المالكي (2006 - 2014): شهدت حكومته التخصيص الاستثماري الأكبر لشراء التوربينات. أبرم العراق عام 2008 عقداً ضخماً مع شركة جنرال إلكتريك (GE) الأمريكية بقيمة 3.1 مليار دولار لشراء 56 توربيناً غازياً، وعقداً آخر مع شركة سيمنس (Siemens) الألمانية بقيمة 2.1 مليار دولار لتوريد 16 توربيناً ضخماً.
عاب هذه الحقبة عدم توفير الوقود أو خطوط النقل الملائمة لهذه الوحدات، مما أبقى الكثير منها معطلاً لسنوات.
وفي أواخر عهده، جرى التعاقد مع مجموعة مابنا (Mapna) الإيرانية بعقود تجاوزت مليار دولار لبناء محطات غازية كالمحطة الحرارية في البصرة ومحطة الصدر.
• حقبة حيدر العبادي (2014 - 2018): بالتزامن مع التقشف المالي والحرب ضد الإرهاب، ركزت حكومته على الصيانة والاستثمار المحدود. أطلق العبادي في برلين عام 2018 المخطط التوجيهي الشامل أو "خارطة طريق سيمنس" الأولى بقيمة تقديرية إجمالية بلغت 14.6 مليار يورو (حوالي 15.6 مليار دولار) لإضافة 11 غيغاواط وتحديث شبكتي النقل والتوزيع بالكامل.
• حقبة عادل عبد المهدي (2018 - 2020): زار برلين عام 2019 وحوّل الخارطة النظرية لـ "سيمنس" إلى عقود تنفيذية فعلية؛ حيث وقعت الوزارة عقود المرحلة الأولى العاجلة بقيمة 700 مليون دولار لتركيب المحطات الفرعية وتحديث 40 توربيناً. وتلاها في نفس العام توقيع عقد إعادة تأهيل محطتي بيجي الغازية الأولى والثانية بقيمة 1.32 مليار دولار لإضافة 1690 ميجاواط للشبكة بعد دمارها جراء الحرب.
• حقبة مصطفى الكاظمي (2020 - 2022): واجهت حكومته ضغوطاً أمريكية موازية، فجرت موازنة العقود بالتوقيع مع جنرال إلكتريك (GE) عام 2020 على عقود صيانة وتحديث للمحطات القائمة بقيمة 1.2 مليار دولار، تلاها اتفاق إضافي لربط الشبكة بالطاقة بقيمة 200 مليون دولار. كما لجأت حكومته لعقود عاجلة لشركات تركية لاستئجار سفن التوليد العائمة للبصرة بقيمة ناهزت 150 مليون دولار سنوياً، وبدأت تفعيل الربط الخليجي المشترك بقيمة أولية للخطوط بلغت 220 مليون دولار.
• حقبة محمد شياع السوداني (2022 - مستمر): اتجهت حكومته نحو الصيانة المستدامة واستغلال الغاز المصاحب والحلول الجذرية المستمرة حتى عام 2026. وقّع السوداني في برلين مطلع عام 2023 اتفاق المرحلة الثالثة مع سيمنس بعقود تنفيذية تتجاوز قيمتها 2.5 مليار دولار تشمل صيانة ممتدة وبناء محطات الدورة المركبة في كربلاء والرشيد. تلاها في فبراير 2023 توقيع اتفاق صيانة طويل الأمد لخمس سنوات مع جنرال إلكتريك بقيمة 1.5 مليار دولار لضمان استقرار تجهيز 9,000 ميغاواط. وفي مسار الطاقة المتجددة، تم تفعيل عقد شركة توتال إنرجيز (TotalEnergies) الفرنسية لتوليد 1,000 ميغاواط شمسية كجزء من حزمة مشروع الطاقة المتكامل البالغة قيمته الإجمالية 10 مليارات دولار.
ثالثاً: إحصاءات البنى التحتية، الموظفين، والميزانيات:
• محطات التوليد والتجهيز والنقل: تبلغ القدرة التصميمية المركبة للمحطات في العراق ما يفوق 38,000 ميغاواط. غير أن الإنتاج الفعلي المستقر يتأرجح حول 22,000 إلى 26,000 ميغاواط نتيجة النقص المزمن للوقود وصيانات الوحدات التوليدية.
شبكة النقل تفقد قرابة 12% من الطاقة فنياً، في حين تستهلك خطوط التوزيع الهدر الأكبر بنسبة تجاوزت 40% بفعل التجاوزات.
• عدد العاملين (التضخم الوظيفي): قفز عدد موظفي وزارة الكهرباء بعد عمليات التثبيت المليونية للعقود والأجور من حوالي 120,000 موظف عام 2013 ليبلغ حالياً أكثر من 400,000 موظف (بين ملاك دائم، عقود، وأجور يومية)، مما جعل الوزارة واحدة من أضخم المؤسسات الحكومية تضخماً وظيفياً، حيث تستهلك رواتبهم السنوية وحدها نحو 5 مليار دولار (ما يعادل 7.5 إلى 8.5 تريليون دينار عراقي).
• تخصيصات الوزارة والإنفاق التراكمي منذ 2003:
- إجمالي الإنفاق الفعلي: تشير البيانات الرسمية وتقارير الخبراء المحدثة لعام 2026 إلى أن العراق أنفق تراكمياً ما بين 100 إلى 120 مليار دولار أمريكي على قطاع الكهرباء منذ عام 2003 وحتى الآن.
- توزيع التخصيصات بالموازنات: نالت الوزارة حصة الأسد في الموازنات الاستثمارية والتطويرية التراكمية بأكثر من 62 مليار دولار صُرفت للمشاريع الرأسمالية.
في حين استهلكت الموازنات التشغيلية التكميلية ما يقارب 40 مليار دولار وُجهت لشراء الغاز والمستحقات المباشرة لاستيراد الطاقة، فضلاً عن تعويض تدمير المحطات في المناطق المحررة الذي كلف لوحده 12 مليار دولار لإعادة الإعمار.


رابعاً: النماذج الدولية الناجحة في تجاوز الأزمةتعتبر تجربة جمهورية مصر العربية النموذج العالمي الأبرز؛ حيث نجحت في القضاء على عجز الطاقة المزمن وتحقيق فائض تصديري خلال 27 شهراً فقط عبر:
1- الصفقة الموحدة فائقة السرعة:
التعاقد المباشر مع سيمنس الألمانية لإنشاء 3 محطات عملاقة بالدورة المركبة (بني سويف، العاصمة الإدارية، البرلس) بقدرة إجمالية بلغت 14,400 ميغاواط بكلفة 6.4 مليار دولار (8 مليارات يورو).
2- استثمار الغاز المحلي المباشر:
ربط المحطات الجديدة فوراً بحقول الغاز المكتشفة محلياً (مثل حقل ظهر)، مما أمن وقوداً تشغيلياً مجانياً ومستقراً وعزل المحطات عن تقلبات الأسعار الدولية أو الاستيراد الخارجي.

خامساً: التقييمات العالمية ورؤيتها لإمكانية تجاوز الأزمة:
تجمع تقارير البنك الدولي ووكالة الطاقة الدولية (IEA) على أن أزمة العراق لا تكمن في القدرة على توليد الطاقة، بل هي أزمة إدارة لوجستية ونزيف وقود وهدر بنيوي.
• انتقاد حرق الغاز المصاحب:
ترى المنظمات الدولية مفارقة حادة في قيام العراق بحرق مليارات الأمتار المكعبة من غازه الوطني (محتلاً المرتبة الثانية عالمياً في الهدر الهوائي)، بينما يستنزف ميزانيته السنوية بنحو 4 إلى 5 مليارات دولار لاستيراد الغاز التشغيلي والكهرباء الجاهزة.
• رؤية الحل وإمكانية التجاوز:
يؤكد المجتمع الدولي أن العراق يمتلك القدرة الكاملة على حل الأزمة جذرياً بحلول عام 2030 بشرط تطبيق حزمة قرارات سيادية صارمة:
1- تحويل كافة مذكرات التفاهم المبرمة مع شركات "سيمنس" و"جنرال إلكتريك" إلى مشاريع تنفيذية فورية ملزمة الجداول الزمنية.
2- فرض نظام جباية إلكتروني مؤتمت وتأمين الحماية الأمنية الكاملة لخطوط النقل وحقول الغاز المحلية الحاكمة (مثل حقل كورمو) لضمان ديمومة التدفق.
3- خفض نسبة الضياعات في خطوط التوزيع والنقل بمعدل 40%، مما سيوفر تلقائياً آلاف الميغاواط المهدورة دون الحاجة لبناء محطات توليد جديدة.

الكهرباء.jpeg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!