المقدمة:
صدمة الشريان الواحد والواقع الجديد
يعيش الاقتصاد العراقي اليوم تحت وطأة صدمة عرض غير مسبوقة جراء الإغلاق المستمر لـ مضيق هرمز. هذه الأزمة وضعت نموذج "الدولة الريعية" أمام الحقيقة العارية:
الاعتماد المطلق على ممر مائي واحد لتأدية وظائف الدولة المالية هو ثغرة في الأمن القومي.
مع هبوط الإيرادات النفطية الجارية وتوسع الفجوة التمويلية، لم يعد التقشف التقليدي خياراً كافياً، بل باتت الحاجة ملحة لإعادة هندسة حوكمة المال العام وفق نظريات الاقتصاد الكلي المعاصرة.
أولاً: "الضبط المالي الرمزي" كأرضية للسلم المجتمعي تؤكد أدبيات الاقتصاد السياسي أن نجاح السياسات الانكماشية (التقشف) مشروط بوجود "عقد نفسي عادل" بين السلطة والمجتمع. لذلك، فإن الخطوة الأولى لا بد أن تبدأ من قمة الهرم الإداري:
• تصفير مخصصات النخبة: خفض منافع الرئاسات الثلاث ومؤسساتها بنسبة 50%، وتقليص رواتب الموظفين والمسؤولين فيها بنسبة 40%
مع إلغاء المخصصات المبالغ بها.
• ترشيد الإنفاق الرأسمالي الإداري:
سحب العجلات الحكومية من المسؤولين وحصرها بعجلتين فقط لكل مؤسسة، مع تخفيض رواتب أعضاء البرلمان بنسبة 50% حتى نهاية الدورة الحالية.
الحقيقة الحسابية:
من الناحية الرقمية، لو فرضنا أن رواتب ومنافع الرئاسات والبرلمان ومستشاريهم تكلف الدولة حوالي 150 مليون دولار سنوياً، فإن خفضها للنصف سيوفر قرابة 75 مليون دولار. وفي حين أن هذا المبلغ لا يغطي عجزاً نفطياً شهرياً يتجاوز 5 مليارات دولار، إلا أن قيمته الرمزية الأخلاقية أساسية لمنع الاضطرابات الاجتماعية وتمهيد الطريق للإصلاحات الأعمق.
ثانياً: المعالجات المادية والنقدية وفق أحدث النظريات العالمية
1. السياسة الضريبية التصاعدية (Progressive Taxation) بدلاً من فرض ضرائب عمياء تعمق الركود وتؤذي الطبقات الهشة، تطرح النظرية الكينزية الحديثة تفعيل ضريبة استهلاك بنسبة 25% على السلع والمنتوجات الكمالية والترفيهية. هذا الإجراء يحقق توازناً مزدوجاً: يعزز الإيرادات غير النفطية للخزينة، ويكبح الطلب على الاستيراد غير الضروري، مما يحمي الاحتياطي النقدي للبنك المركزي ويمنع تدهور سعر صرف الدينار.
2. استثمار "الدومين العام" بدلاً من تسييله (Asset Optimization) تحذر توصيات صندوق النقد الدولي (IMF) بشكل صارم من بيع أملاك وعقارات الدولة (الدومين العام) أثناء الأزمات الحادة، وتصفها بـ "البيع البخس" (Fire Sales) الذي يفقد الأصول قيمتها الحقيقية.
البديل العلمي: تأسيس "شركة قابضة حكومية لإدارة الأصول" تطرح هذه العقارات للاستثمار الطويل الأجل أو عبر صيغ الشراكة بين القطاعين العام والخاص (PPP)، مما يضمن تدفقات نقدية مستدامة للخزينة دون التفريط بملكية أصول الدولة.
3. تعظيم "النفط الدائم": أتمتة السياحة الدينية وحوافز الإنتاج تطبيقاً لنظرية "التنويع الاقتصادي القسري" (Forced Diversification):
• الحوكمة الرقمية للسياحة: السيطرة الحازمة والمؤتمتة على موارد السياحة الدينية عبر تفعيل "التأشيرة الإلكترونية" وبوابات الدفع الرقمية المباشرة لحسابات وزارة المالية لقطع دابر الفساد والوساطة.
• ربط الأجر بالإنتاجية: إعادة هيكلة المصانع الحكومية المتوقفة أو متدنية الإنتاج، ومنح مكافآت وحوافز مالية مباشرة للعمال والموظفين في المعامل التي تحقق مردودات إنتاجية حقيقية تدعم السوق المحلية، لتحويلها من "مراكز كلفة" تستنزف الموازنة إلى "مراكز ربحية".
الحوكمة الاستباقية ومنح الأنياب القانونية للرقابة
وفقاً لنظرية "الاقتصاد المؤسسي"، فإن مكافحة الهدر لا تنجح بالتدقيق اللاحق. الحل يكمن في تمكين ديوان الرقابة المالية من السيطرة التامة والتدقيق الفوري (Real-time Auditing) على كافة المفاصل والدخول المالية للدولة، مما يمنع تسرب الأموال قبل خروجها من الخزينة.
ثالثاً: كسر قيود الممر الواحد عبر مسارات الإمداد البديلةالحل الاستراتيجي الوحيد لإنهاء "فوبيا هرمز" يتطلب إعادة صياغة الجغرافيا الاقتصادية للعراق عبر مسارين متوازيين:
1- طريق التنمية البري والاستراتيجي: الإسراع في ربط موانئ الفاو بشبكة السكك الحديدية والطرق السريعة نحو تركيا وأوروبا. هذا المشروع لن يكون مجرد ممر تجاري، بل شريان عكسي لنقل البضائع والمشتقات النفطية برياً بعيداً عن الاختناقات البحرية.
2- تنويع شبكات الأنابيب: إحياء وتوسيع طاقات الضخ عبر المنافذ الشمالية والغربية (مثل خط كركوك-جيهان التركي، ومقترحات أنابيب التصدير عبر الأردن نحو العقبة). إن توزيع الحصص التصديرية جغرافياً يمنع تحول أي أزمة إقليمية إلى أزمة وجودية للاقتصاد العراقي.
رابعاً: التوصية العالمية (إطار صندوق النقد الدولي للإصلاح)
في مراجعاته الأخيرة للدول التي تعاني من صدمات تجارية عنيفة، يوصي صندوق النقد الدولي (IMF) بضرورة الانتقال الفوري نحو ما يسمى بـ "موازنة البرامج والأداء" (Performance-Based Budgeting).
تعتمد هذه الأطروحة العالمية على إلغاء الموازنات التقليدية القائمة على بنود الصرف الثابتة، واستبدالها بموازنة تربط كل دينار يُصرف بنتيجة تنموية محققة.
تؤكد هذه التوصية الدولية أن تقليص النفقات الإدارية يجب أن يتزامن مع توسيع شبكة الحماية الاجتماعية للفئات الأكثر فقراً لضمان صلابة الجبهة الداخلية أثناء تنفيذ الإصلاح الهيكلي.
خاتمة المقال:
من المحنة إلى المنحة إن أزمة مضيق هرمز لعام 2026 ليست مجرد تحدٍ مالي عابر، بل هي فرصة تاريخية مجبرة لإنهاء الحقبة الريعية.
إن تطبيق التقشف العادل في قمة الهرم، بالتوازي مع رقمنة الموارد غير النفطية وفتح ممرات التصدير البرية، هو السبيل الوحيد لبناء اقتصاد عراقي مرن وقادر على الصمود بوجه العواصف الجيوسياسية.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!