تستعر في أزقة مدننا معركة صامتة ومريرة، معركة لا تُستخدم فيها البنادق بل صكوك الإيجار وتهديدات الإخلاء، بطلها المواطن المكتوي بنار الأسعار، وخصمها جشع عقاري أعمى، ونتيجتها ذلٌّ يومي يتجرعه الموظف والمتقاعد والكادح عند عتبة صاحب الملك.
إن أزمة السكن الحالية تجاوزت حدود المشاكل الخدمية العابرة لتتحول إلى تعرية حقيقية لمفهوم المواطنة وقيمة الانتماء، وصارت تساؤلاً صارخاً يُوجَّه مباشرة إلى ضمير كل مسؤول يجلس خلف مكتبه الفخم: كيف تطالب امرأً بالولاء المطلق والتضحية لأجل أرض لا يملك فيها موضع قدم؟ فكم غصّت الوحدات العسكرية وسواتر المواجهة بجنود يذودون ببسالة عن وطن يعلنون في سرهم وعلنهم أنهم يدافعون فيه عن تراب لا يملكون منه شبراً واحداً، تاركين عوائلهم خلفهم تحت رحمة الطرد والتهديد المستمر برفع الأسعار.
على المسؤولين أن يدركوا، قبل فوات الأوان، أن الأمن الأسري للمواطن هو اللبنة الأساسية لأمن الدولة، وهو مقدمة ضرورية تسبق كل أدواتهم الأمنية، وجدرانهم الصخرية، واستعراضاتهم العسكرية.
إن غياب الاستقرار السكني يضرب عصب الولاء في مقتل، ويهدد بشكل مباشر الشريحة الأكثر تضحية وتأثيراً في وعي الأمة: شريحة الصحفيين، الإعلاميين، والمثقفين.
هذه الفئة التي قدمت قوافل من الشهداء والجرحى في سبيل كشف الحقيقة ومحاربة الفساد، تجد نفسها اليوم مغتربة ومشردة داخل حدودها
الصحافة والإبداع ليسا مجرد وظيفة روتينية، بل هما رسالة وطنية واستحقاق وطني يتطلب صفاءً ذهنياً وتفرغاً كاملاً واستقراراً أسرياً عميقاً. ومن المستحيل على كاتب أو إعلامي أن يبدع وقلمه يرتجف خوفاً من إنذار إخلاء يطرق بابه، أو يقضي ليله في حساب معادلات الإيجار القاتلة التي تلتهم جلّ دخله وتتركه عاجزاً عن حماية أطفاله.
إن وجود كفاءات بخدمة وظيفية وصحفية طويلة ومتميزة دون الحصول على قطعة أرض أو سكن ملائم هو إدانة حية لسياسات فاشلة جعلت الخطط السابقة مجرد حبر على ورق ووعود انتخابية تتبخر مع انقضاء المواسم.
المفارقة التي تدمي القلوب وتكشف حجم التقصير الإداري هي أن الحل لا يتطلب من الدولة ميزانيات انفجارية تعجز عنها الخزائن، فالبلاد تعوم على مساحات شاسعة من الأراضي غير المستغلة التي تكفي لبناء مدن بأكملها، ولا يهم كم تبعد هذه المساحات عن مراكز المحافظات، طالما أن التخطيط الحديث كفيل بتهيئة وسائل نقل مستمرة، سريعة، ورخيصة تربطها بالمركز. الحل يحتاج فقط إلى انتفاضة قانونية وإرادة سياسية حقيقية تستقدم شركات استثمارية كبرى وفق عقود مدروسة بدقة تلزمها بمنح دار سكنية لكل مواطن يقدم تعهداً رسمياً بعدم امتلاكه سكن خاص، على أن تبدأ هذه المبادرة بلا إبطاء بالشرائح الأكثر سحقاً وتضرراً كالمتقاعدين وأصحاب الخدمة الطويلة وعوائل شهداء الصحافة والإعلام.
يجب أن تستوفى أقساط هذه الوحدات بآلية ذكية ومتدنية جداً لا تؤثر على القوة الشرائية أو المدخولات الأساسية للمواطن، وتستمر بشكل مريح من صاحب الملك أو ممن يؤول له الإرث القانوني في حال وفاته.
هذه المشاريع الاستثمارية الواعية لن تكلف الدولة أموالاً، بل تتطلب منها فقط الكف عن العشوائية والفساد الإداري، والبدء في صياغة الأطر القانونية الحامية والدراسات الفنية الجادة التي تحمي المواطن من سماسرة العقارات والمضاربات الجنونية التي تجري تحت أنظار مؤسسات الدولة وصمتها المريب.
لو نظر هؤلاء المسؤولون إلى التجارب العالمية الناجحة، لخجلوا من واقعنا الحاضر؛ فدولة مثل سنغافورة تحولت من جزيرة مستنقعات وعشوائيات بائسة إلى نموذج عالمي يمتلك فيه أكثر من 80% من المواطنين مساكنهم الخاصة عبر مجلس التطوير والإسكان (HDB) من خلال خطط تمويلية طويلة الأجل مرتبطة بصناديق الادخار. وفي دول أخرى، نجحت تجارب "التعاونيات السكنية المهنية" المدعومة استثمارياً في توفير مدن حديثة كاملة مخصصة للنخب الثقافية والإعلامية بأقساط رمزية، إيماناً من تلك النظم بأن أمن المفكر والصحفي واستقراره الأسري هو جزء لا يتجزأ من الأمن القومي وبناء الإنسان.
إن تحويل ملايين المستأجرين إلى ملاك ليس منّة أو كرماً من أحد، بل هو صمام الأمان الحقيقي لاستقرار الدولة وبقائها. عندما يشعر المواطن، من الجندي في خندقه إلى الصحفي خلف شاشته، أنه يمتلك حصة حقيقية وثابتة في تراب هذا الوطن، سيتغير مفهوم الدفاع والانتماء تلقائياً في وجدانه، وتتحول الجدران الأربعة من عبء ثقيل يذل صاحبه ويهدم أسرته إلى حصن كرامة حقيقي يحمي هوية البلاد ومستقبل أجيالها من الضياع.
✦ كتابات في الميزان ✦
يضع المقال أزمة السكن في قلب معادلة الأمن الوطني، مؤكدًا أن المواطن المهدَّد بالإخلاء وارتفاع الإيجارات يفقد أبسط مقومات الاستقرار والكرامة. وينتقد الكاتب غياب السياسات السكنية الجادة، ولا سيما تجاه المتقاعدين وأصحاب الخدمة الطويلة والصحفيين وعائلات الشهداء، داعيًا إلى استثمار أراضي الدولة وبناء مدن متكاملة بأقساط ميسّرة. فالبيت، وفق رؤية المقال، ليس امتيازًا اجتماعيًا، بل أساسٌ للأمن الأسري والانتماء الحقيقي إلى الوطن.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!