تتجاوز المقاربة السيميائية في قراءة النص والعرض المسرحي حدود المعاينة الوصفية السطحية للعناصر المؤثثة لخشبة المسرح، لتتعامل مع الفضاء الدرامي بوصفه حقلا دلاليا مكثفا وشبكة بالغة التعقيد من العلامات والشيفرات الأيقونية والمؤشرية والرمزية. وتستند هذه القراءة إلى أطروحات رواد السيميولوجيا المسرحية، من أمثال "آن أوبرسفيلد" (Anne Ubersfeld) و"باتريس بافيس" (Patrice Pavis) و"تاديوش كوزان" (Tadeusz Kowzan)، حيث يغدو كل عنصر مادي أو حركي أو ضوئي أو صوتي بمثابة حامل إبستيمولوجي وجمالي يُعيد إنتاج المعنى الدرامي ويُفصح عن البنى العميقة للصراع.
تتبدى مسرحية "المئذنة" للكاتب العراقي علي لفته سعيد بوصفها نصا سينوغرافيا بامتياز؛ إذ لا يشكل الفضاء فيها مجرد إطار طوبوغرافي محايد لاحتواء حركة الشخوص، بل يتحول إلى "فاعل درامي" دينامي يمارس سلطة سيميائية قاهرة على مصائر الأبطال. إن النص يتمفصل بنيويا وسيميائيا حول تقاطب فضائي حاد بين الموت والبعث، والركام والسمو، محولا خشبة المسرح إلى ساحة اختبار وجودية تعكس مأساة الإنسان العراقي عقب الزلزال التاريخي لعام 2003 وما ولّده من شروخ أنطولوجية عميقة.
1. عتبات الفضاء وسيميياء الزمن الصادم
يفتتح النص المشهد باستهلال سينوغرافي يحمل شحنة علاماتية مكثفة تؤسس لحالة الانكسار التاريخي والوجودي؛ إذ تشير الإرشادات المسرحية بدقة إلى: "فضاء مفتوح.. من جهة اليسار ثمة كرسي ومنضدة عليها أوراق مبعثرة، ومصباح قراءة. خلف المنضدة، وعلى الجدار.. ساعة جدارية.. توقفت عقاربها على الساعة الثانية والنصف وبجانبها تقويم ممزق يظهر فيها رقم الشهر هو الرابع فيما يظهر العام هو 2003" (ص 5).
يمثل هذا التحديد البصري في مستهلك العرض علامة مؤشرية (Indice) بالغة التعقيد وفق تصنيف "تشارلز ساندرز بيرس"؛ فالتقويم الممزق لا يشير إلى تاريخ عابر، بل يُحيل دلاليا إلى لحظة "الصدمة التأسيسية" في التاريخ العراقي المعاصر (نيسان/أبريل 2003؛ تاريخ الغزو والاحتلال الأمريكي وسقوط العاصمة بغداد). إن اقتران هذا الشهر بتمزق التقويم يعني تفكك الهيكل الزمني المنظم للوجود الإنساني، وتحول التاريخ من مسار خطي تراكمي إلى شظايا مبتورة.
يتعمق هذا الشلل السيميائي بتجميد عقارب الساعة الجدارية عند "الثانية والنصف"؛ فالزمن هنا يُنزع من وظيفته الفيزيائية الكونية ليدخل في حالة "الركود النفسي والتاريخي" (Chronostasis). إنها علامة أيقونية على توقف نبض الحياة العامة واستحالة التقدم نحو المستقبل. كما أن تموضع هذه العلامات في "جهة اليسار" حيث تستقر "المنضدة والأوراق المبعثرة والرفوف الفارغة" ينتج نسقا دلاليا يُجسد اغتراب المثقف واستلاب الوعي المعرفي؛ فالأوراق المبعثرة علامة على تشتت الفكر وفقدان القدرة على صياغة مشروع نقدي أو إبداعي في ظل سيادة العنف، بينما تشير الرفوف الفارغة إلى إفراغ الفضاء الثقافي من محتواه المعرفي لصالح فوضى السلاح والدمار.
وتتأكد هذه الوظيفة السيميائية للأشياء حين يعود النص إلى لسان الشخصية ذاتها لتأكيد هذا الإدراك الحسي، حيث يخاطب الشاب الفتاة قائلا: "ألا يذكرك هذا الوقت بشيء حقيقي؟.. إنها متوقفة على زمن الهلع" (ص 32).
في هذا الملفوظ الدرامي، يتحول "الدال المشهدي" (الساعة المعطلة) إلى "مدلول وجودي ونفسي" صريح وهو "زمن الهلع". يُمارس الكاتب هنا ما يُعرف في سيمياء المسرح بـ "المطابقة الدلالية" بين العلامة البصرية والخطاب اللغوي؛ فالساعة لم تعد أداة لقياس حركة الدقائق، بل غدت "نصبا تذكاريا للفاجعة". إن الزمن الصادم يتحول إلى قيد مكاني ونفسي يحاصر الشخصيات في حلقة مفرغة من الترقب المرضي والهلوسة، حيث تصبح كل محاولة لتجاوز لحظة 2003 محكومة بالاصطدام بجدار ذلك الرعب المتكلس على عقارب الساعة، وهو ما يجعل الفضاء بأكمله أشبه بغرفة احتجاز داخل لحظة تاريخية مشؤومة تأبى الانقضاء.
2. المعمارية السينوغرافية وجدلية التقاطب الفضائي: (النعش / المئذنة)
تنهض المعمارية السينوغرافية في المسرحية على ثنائية تقاطبية مهيمنة تتجسد عبر مستويين مكانيين متعارضين فيزيائيا ودلاليا: المحور الأفقي الأرضي المتمثل في "النعش"، والمحور العمودي الصاعد المتمثل في "المئذنة/السلم".
تُبرز الإرشادات المسرحية والمشاهد الأولى حضورا ثقيلا للنعش الخشبي: "صندوق خشبي يشبه النعش.. الشاب: ما زلنا كما نحن.. لا فرق إلا بالتفاصيل ومع ذلك فنحن أصدقاء.. بل أنت ولي الأمر.. ولكن.. (بألم وحرقة يمسك رأسه): واحد منا سينقص.. سيبقى منا اثنان.. سيتحدان في واحد.. (يسرع باتجاه النعش.. يقف في منتصفه، يفرش ذراعيه كمن يطير).. (الشاب يذهب إلى النعش أثناء الكلام يتمدد داخله.. ثم يقلبه لتكون فتحته باتجاه الجمهور)" (ص 5، 7-8).
يشكل "النعش" على خشبة المسرح علامة مادية مركزية تفيض بدلالات الموت والعدمية والخراب الجمعي. غير أن التوظيف السينوغرافي للنص يمنحه أبعادا تتجاوز رمزيته الجنائزية التقليدية ليصبح فضاء بديلا للعيش والتفكير والاستلاب؛ فالشاب يتحدث إليه بوصفه كائنا حيا وندا وجوديا ("فنحن أصدقاء.. بل أنت ولي الأمر"). إن إطلاق صفة "ولي الأمر" على النعش يُعد انزياحا سيميائيا خطيرا يشي بسيادة ثقافة الموت وهيكلية الفناء على مصائر الأحياء، حيث تصبح سلطة التابوت أعلى وأقوى من سلطة الحياة والعقل.
إن ارتماء الشاب داخل النعش وتمدده فيه يعكس حركية نفسية نكوصية شبيهة بالعودة إلى "الرحم المظلم"، وهي تجسيد بليغ لغريزة الموت (Thanatos) وفق المنظور الفرويدي؛ إذ يجد المثقف في قاع النعش ملاذا هربا من رعب المفخخات وتوحش الخارج. وتكتسب حركة "قلب النعش لتكون فتحته باتجاه الجمهور" دلالة سينوغرافية كبرى تهدف إلى كسر "الجدار الرابع"؛ فالنعش المفتوح في مواجهة الصالة يُشرك المتفرجين في التجربة التراجيدية، ويحول قاعة العرض بكاملها إلى مقبرة كبرى ممتدة، جاعلا من النعش مرآة عاكسة للمصير الجماعي المحتوم للشعب المحاصر بالحروب.
وعلى الطرف النقيض تماما، ينتصب في عمق الخشبة المحور العمودي المقابل: "في وسط المسرح.. ثمة سلّم يفضي إلى منارة.. الشاب: أدركتُ.. أمام كل هذا.. أن المئذنة إذا ابتعدنا عنها.. فإن طريق الانهيار سيكون محطتنا.. كأن السماء تبتعد عنا أو أننا ابتعدنا عن السماء.. المئذنة صوتنا الجديد.. صوتنا الذي لا أحد يسمعه لعل السماء تسمعه بوضوح" (ص 5-6، 19، 39).
تُؤسس "المئذنة" والسلم الصاعد إليها المحور البصري الرأسي (العمودي) الدال على التسامي، والاتصال بالمتعالي، والبحث عن البراءة الأولى للوطن والروح. إن المئذنة في النص لا تؤدي وظيفة دينية مذهبية ضيقة، بل تتحول سيميائيا إلى "أيقونة للهوية الجمعية النقية" والملاذ الأخلاقي الأخير ضد التفسخ والاندثار.
يخلق التقابل بين النعش (المحور الأفقي السفلي/ التراب/ الجسد الميت) والمئذنة (المحور الرأسي العلوي/ السماء/ الروح المتعالية) صراعا مكانيا حادا يختزل التمزق الأنطولوجي للشخصية؛ فالشاب ممزق بين الجاذبية الأرضية للنعش التي تشده نحو اليأس والعدمية والاستسلام للمحرقة، وبين النداء الروحي للمئذنة الذي يطالبه بالارتقاء وتوجيه صوته وأسئلته الحارقة نحو السماء. إن المئذنة تغدو بمثابة ضمير المكان وعينه الراصدة، والابتعاد عنها يعني السقوط الحتمي في قاع التابوت.
3. سيميولوجيا الجسد والإكسسوار (الكينيسيا والبروكسيميا الدرامية)
تتحول أجساد الممثلين وإكسسوارات العرض إلى شفرات سيميائية تترجم حالات التمزق النفسي والعجز الوجودي ومحاولات الانعتاق.
يُظهر النص تركيزا بصريا فائقا على جسد الشاب المتأزم وحركاته اللاإرادية: "آه من هذا الرأس.. فيه ورم بحجم الأرض.. (يمسك رأسه ويدور نصف دورة).. كيف أخرج من رأسي هذا الورم المنفوخ بالآلام والرؤى والتنبؤات.. (يتحرك باتجاه المنضدة حيث أوراقه.. الضوء يتابعه)" (ص 18، 51).
تُشكل حركات الشاب المتوترة ولغة جسده (Kinesics)- من وضع اليدين على الرأس، والدوران الدائري العشوائي حول الذات- تجسيدا حركيا لما يمكن تسميته بـ "جسدنة الصدمة" (Somatization of Trauma). إن الرأس هنا يتجاوز كونه عضوا بيولوجيا ليتحول إلى "إكسسوار سينوغرافي مسرحي ملغوم"؛ فالورم الذي بحجم الأرض هو استعارة سيميائية لثقل الذاكرة الجمعية المحتقنة بمشاهد القتلى والحروب والانفجارات. إن الرأس يصبح مسرحا داخليا مصغرا تنفجر فيه الرؤى والتنبؤات السوداوية، مما يُنتج حركات جسدية دائرية مغلقة ترمز إلى العجز عن الإفلات من دائرة العنف المحيطة.
أما على الصعيد العلائقي والمسافي (Proxemics)، فإن المسرح يرصد دينامية التباعد والاقتراب بين الشخصيات: "(يقتربان من بعضهما وللحظات ثم تتشابك الأصابع).. الشاب: هل كنت تبحثين عني؟.. الفتاة: كثيرا.. (تبتعد الفتاة مسافة خطوات ثلاث)" (ص 10).
تكشف المسافة البروكسيمية المتقلبة بين "الشاب" و"الفتاة" عن صراع عميق بين رغبة التلاقي واستحالة التحقق؛ فتشابك الأصابع والاقتراب الجسدي يمثلان علامة حركية على استدعاء طاقة الحياة والإنقاذ العاطفي (Eros) في مواجهة الموت المجاني. غير أن التراجع المباغت والابتعاد لثلاث خطوات يعكس التدخل القسري للمحيط الحربي في تدمير الحميمية؛ فالخوف المزمن وانعدام الأمان يخلقان مسافة عازلة تقطع التواصل الإنساني وتُعيد كل فرد إلى قوقعة عزلته ورعبه الوجودي.
وتتعاظم القوة السيميائية للمسرح في المشهد الذي يجمع الشاب بطيف والده: "(يخرج رجل كهل يلف رأسه بيشماغ جنوبي يتجه مباشرة إلى الشاب المتكئ على طاولة الكتابة.. الشاب يتفاجأ بوجوده.. الأب يضع يده بهدوء على رأس الشاب).. الأب: قلمك هذا.. اجعل فيه مدادا حتى لو كان من دموع.. كن وطنا لا تسكنه إلا الفراشات.. اكتب واحتضن قلمك لأنه وحده الباقي ليقول شهادته عن الجميع" (ص 52-53، 71).
يؤسس ظهور الأب مرتديا "اليشماغ الجنوبي" علامة أيقونية وثقافية تُحيل فورا إلى الهوية العراقية الأصيلة والعمق التاريخي المرتبط بالأرض والذاكرة الشعبية والشهادة المقاومة. إن الفعل الحركي المتمثل في "وضع اليد بهدوء على رأس الشاب" يمارس وظيفة سيميائية مضادة لحالة التوتر والاضطراب؛ فاليد الأبوية ليست مجرد أداة للمس، بل هي قناة لنقل السكينة والحكمة والتوازن الروحي، فتعمل على تفكيك "ورم الرأس" عبر استحضار سلطة الواجب التاريخي.
كما أن إعادة تقديم "القلم" كإكسسوار محوري في هذا المشهد يمثل تحولا سيميائيا جذريا؛ فالقلم الذي ألقاه الشاب يأسا على المنضدة يعود بصفته "أداة المقاومة والشهادة". إن القلم هنا يتطابق دلاليا مع السلاح الرمزي، والمداد المصنوع من الدموع يدمج بين الألم الإنساني والمسؤولية الأخلاقية للكاتب، ليصبح فعل الكتابة طقسا يوميا لتأكيد البقاء وتعرية الخراب.
وتتوج هذه الدينامية الحركية بالفعل السينوغرافي الحاسم في نهاية المسرحية: "(يذهب إلى النعش يدور به دورة كاملة.. ويرميه خارج المسرح).. (الشاب يرمي الأوراق إلى الأعلى كفراشات بيض)" (ص 73، 75).
يمثل إلقاء النعش خارج حدود الخشبة ذروة التحول السيميائي (Peripeteia) في العرض بأكمله؛ إنه "فعل قطيعة سينوغرافية جذرية" مع ثقافة الفناء والاستلاب. من خلال هذا الفعل التطهيري العنيف، يستعيد الجسد سيادته على الفضاء، ويتم طرد دال الموت خارج الوجود الدرامي للشخصية. ويتوازى هذا الفعل مع نثر الأوراق البيضاء كفراشات محلقة في الهواء، وهو تحويل سيميائي مذهل للأوراق من حالة "الخرس والجمود" فوق المنضدة الكئيبة إلى حالة "الحرية والخصوبة والأمل"، معلنا انتصار الإبداع على الرصاص.
4. التشكيل الضوئي والسينوغرافي: من عتمة الركام إلى انبثاق الصباح
تتحول الإضاءة في المسرحية من مجرد وسيلة تقنية لكشف الرؤية إلى لغة بصرية متكاملة تسهم في تشكيل المعنى وبناء الصراع الدرامي عبر تقنية التضاد الضوئي الصارخ (Chiaroscuro).
تتواتر في النص إشارات ضوئية تعكس واقع الحرب والدمار: "يومض ضوء من النافذة يوحي بانفجارات متتالية.... يسلط الضوء على منتصف المسرح.. (تومض خلفية المسرح بلمعان انفجارات متتالية وصراخ.. وعويل وتكبير وهتاف.. يركض باتجاهات متنافرة مع برق الأضوية)" (ص 6، 48).
يؤدي الوميض الضوئي المتقطع المرتبط بالانفجارات وظيفة سيميائية بالغة العنف؛ فالضوء هنا ليس أداة للإنارة بل "سلاحا بصريا صادما" يخترق عتمة الفضاء ليحاكي الرعب الناجم عن السيارات المفخخة والقصف الجوي. إن استخدام الإضاءة الوامضة والمتقطعة (Stroboscopic Light) يُحدث تفكيكا بصريا لاستقرار المشهد، ويعكس تفتت الواقع الخارجي وشظايا الوعي الداخلي للشاب، كما أن مطاردة الضوء لحركات الشاب المتنافرة على الخشبة تُظهره كطريدة محاصرة بنيران لا تنطفئ.
وفي المقابل، يرسم النص لحظات الانعطاف الميتافيزيقي والروحي بلغة ضوئية متباينة تماما: "تسود الإضاءة للحظات جميع إرجاء المسرح إضاءة بيضاء كحليب الأطفال.. وفي زاوية المسرح البعيدة يتساقط دخان كثيف كأنه ينزل من السماء" (ص 52).
إن الانتقال المفاجئ إلى الإضاءة البيضاء الشاملة التي تشبه "حليب الأطفال" يُعد إحلالا سيميائيا لعلامات البراءة والولادة الجديدة والأمومة والصفاء الروحي في مواجهة قتامة الحرب. هذه الإضاءة تغسل الفضاء مؤقتا من دنس الدماء، وتخلق تباينا سينوغرافيا كاشفا مع "الدخان الكثيف" المتساقط في الزاوية، لترسم بصريا الصراع بين النقاء الروحي المهدور والرماد المتراكم على جسد الوطن.
ويبلغ هذا التشكيل الضوئي ذروته الكاثارسية التطهيرية مع المشهد الختامي للمسرحية: "تشتعل كل أنوار المسرح حتى كأنها ضوء الصباح فيما يتساقط المطر ويقف الاثنان قرب النافذة يمدان أيديهما إلى المطر ويغسلان وجهيهما.. وتسدل الستارة" (ص 76).
يمثل اشتعال "كل أنوار المسرح" لتعميق الإحساس بـ "ضوء الصباح" ذوبانا للحدود بين الظلال والعتمة، وإعلانا سينوغرافيا بانتصار الوضوح واليقين. إنه كشف سيميائي كلي يُلغي ظلامية المرحلة التاريخية المنكوبة، ويتكامل مع هطول المطر التطهيري وغسل الوجوه ليعلن عن ولادة الإنسان الجديد المتحرر من كوابيس 2003، حيث يستعيد المشهد صفاءه الكوني وتسترد الإضاءة وظيفتها الأولى كواهبة للحياة والأمل.
5. الفضاء الصوتي والمؤثرات السمعية: ديالتيك الفوضى والتطهير
يشتغل النص على هندسة مشهد صوتي (Soundscape) يمثل شريطا دلاليا موازيا ومفسرا للصورة البصرية؛ إذ تتنازع الفضاء طبقات صوتية متصارعة:
الطبقة الصوتية الكارثية والمحرفة للمقدس: "الشارع يضج بأصوات.. تظهر له على خلفية المسرح رايات ولافتات.. آذان مختلف الأنغام كلمات تكبير باتجاهات مختلفة.. الشاب: أسمع البكاء يخرج من جوف المئذنة.. سيؤذن في هذه المئذنة ما دامت اللعبة الجديدة أن نكون جميعا حامدين لما حدث" (ص 45، 39، 41).
يُمثل تداخل "آذان مختلف الأنغام" و"التكبير من اتجاهات مختلفة" مع أصوات التفجيرات علامة سمعية على انشطار الحقل الديني وتوظيفه أيديولوجيا في الحرب الأهلية والطائفية. إن تعدد نغمات الأذان وتنافرها لا يعبر عن تعدّدية إيمانية، بل يشير سيميائيا إلى "تسييس المقدس" واستخدامه كغطاء للقتل وسفك الدماء. وتصبح خشية الشاب من استغلال المئذنة إعلانا عن رفضه لتحويل هذا الرمز الروحي السامي إلى بوق للدعاية المذهبية والتبعية العمياء، مما يفسر سماعه لـ "البكاء" يخرج من جوفها كعلامة على اغتصاب براءتها وقدسيتها.
الطبقة الصوتية التطهيرية والتحررية (المطر وأغنيات فيروز): "المطر سيعيد للفراشة شبابها وللطفولة براءتها.. لتكون قلوبنا موحدة مع صوت المئذنة.. (يضحكان وهما يمسكان بعضهما فيما تبدأ فيروز بأغنية تدغدغ الفتاة.. تنام الفتاة على كتفه تنبعث موسيقى مصاحبة لفيروز موسيقى حالمة.. ويبدأ الشاب بالتلويح بالقلم)" (ص 37، 75-76).
يحدث النص انقلابا صوتيا جذريا في المشهد الأخير باستبدال أصوات المفخخات والصرخات الجنائزية بصوتين تطهيريين:
صوت المطر: يُعد دالا صوتيا وحسيا على التطهير والخصوبة (Fertility) وغسل خطايا الرماد والدم؛ فالمطر هنا يُعيد الطبيعة إلى نضارتها ويُعيد للمئذنة دورها الجمعي بوصفها صوت الحق والسلام والتوحد.
صوت فيروز: يمثل حضور صوت السيدة فيروز في الختام علامة سيميائية واستعارية كبرى محملة بإيحاءات الصباح، والنقاء، والسمو الجمالي، والتحرر من فظاعة الواقع اليومي. إن التمايل على أنغام فيروز والتلويح بالقلم يلخص انتصار الجمالية الشعرية على ثقافة الموت؛ فالصوت الفيروزي يطرد نهائيا ضجيج الرصاص ويُعيد صياغة الفضاء السمعي بوصفه فضاء للحب والانبعاث الوطني الحر.
خاتمة
تُثبت القراءة السيميائية والسينوغرافية الموسّعة لمسرحية "المئذنة" للكاتب علي لفته سعيد أن النص قد نسج معمارا علاماتيا محكما تضافرت فيه لغة الجسد، وتوزيع الكتل الفضائية، والتشكيل الضوئي، والمشهد الصوتي، لتقديم رؤية درامية عميقة لمأساة العراق المعاصر بعد عام 2003.
لقد استطاع الكاتب عبر دينامية العلامات المسرحية أن يُحرك بطله من "فضاء الهيتيروتوبيا المأزومة والمقبرة المغلقة" (المتجسدة سيميائيا في: الساعة المتوقفة عند نيسان 2003، التمدد في النعش، الأوراق اليابسة، ومضات القصف، وتنافر التكبيرات الطائفية) إلى "فضاء اليوتوبيا المفتوحة والانبعاث الوجودي" (المتجسدة سيميائيا في: قذف النعش خارج المسرح، نثر الأوراق كفراشات بيضاء، شروق ضوء الصباح الشامل، هطول المطر التطهيري، وتصاعد أنغام فيروز الحالمة).
إن القوة الدرامية لهذا النص لم تكن مجرد نتاج للحوارات الفكرية المجردة، بل انبثقت بالأساس من "بلاغة السينوغرافيا والفعل المسرحي التحرري"؛ حيث كان التخلص المادي والرمزي من "النعش" بمثابة العلامة الكبرى الفارقة التي دشنت ولادة وعي جديد، وعي يرفض أن يُدفن حيا داخل ركام التاريخ، ويصر على كتابة الحياة والحرية بمداد الأمل الصامد.
✦ كتابات في الميزان ✦
تقدّم الدراسة قراءة سيميائية وسينوغرافية لمسرحية «المئذنة» للكاتب علي لفته سعيد، متتبعةً دلالات الفضاء والجسد والإضاءة والصوت في التعبير عن مأساة العراق بعد عام 2003. وتكشف عن الصراع الرمزي بين النعش بوصفه علامةً للموت والانكسار، والمئذنة بوصفها أفقًا للارتقاء واستعادة الهوية. وينتهي التحليل بانتصار القلم والأمل والمطر وضوء الصباح على العنف والخراب.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!