إنَّ لقبر الإمام الحسين "عليه السلام" مقامًا عظيمًا، ومنزلة رفيعة، وقد تتابعت عليه الحوادث المختلفة منذ شهادته "عليه السلام" إلى يومنا.
وقد أشارت إلى ذلك السيدة زينب "عليها السلام" في يوم عاشوراء في روايتها الغيبية عند الإمام السجاد "عليه السلام" فقد ورد في ذلك أنه:
((حينما رأى السجاد جثمان أبيه وجثت أهل بيته وأصحابه منبوذة بالعراء، لم ينبرِ أحد إلى مواراتها، وبصرت به العقيلة وهو يجود بنفسه. فقالت له: ما لي أراك تجود بنفسك يا بقيّة جدي وإخوتي؟ فوالله إنًَ هذا لعهدٌ من الله إلى جدك وأبيك، ولقد أخذ الله ميثاق اُناس لا تعرفهم فراعنة هذه الأرض، وهم معروفون في أهل السماوات، إنّهم يجمعون هذه الأعضاء المُقطَّعة والجسوم المضرَّجة فيوارونها، وينصبون بهذا الطف علمًا لقبر أبيك سيّد الشهداء، لا يُدرس أثره، ولا يُمحى رسمه، على كرور الليالي والأيام، وليجهدنَّ أئمّة الكفر وأشياع الضلال في محوه وطمسه، فلا يزداد أثره إلا علوًّا)).
إنَّ هذه الرواية الزينبية لواقعة الطف فيها دلالات متعددة يمكن بيانها إيجازًا بالآتي :
١- بيان عظم المصاب الذي جرى على آل بيت النبوة يوم عاشوراء حيث حال الإمام السجاد "عليه السلام" (يجود بنفسه) وما فيها من عمق المصاب الذي كان عليه.
وهذا ظاهر في كثير النصوص والوقائع منها:
-بكاء النبي عليه في يوم ولادة الإمام الحسين "عليه السلام" بما أخبره جبرئيل بمقتله في مناسبات متعددة.
-ما ورد في زيارة يوم عاشوراء المشهورة (مصيبة ما أعظمها وأعظم رزيتها في الإسلام وفي جميع السموات والأرض).
-ما ورد في الحديث: إنَّ يوم الحسين أقرح جفوننا، وأسبل دموعنا، وأذلَّ عزيزنا بأرض كرب وبلاء ..
-ما يروى عن الإمام الحجة مخاطبًا جده الإمام الحسين: لأبكينَّ عليكَ بدلَ الدموعِ دمًا.
-ما كان واقع يوم عاشوراء حيث جسد الإمام الحسين المقطع وخيمة الشهداء علي الأكبر والقاسم والرضيع وعلى بُعد منهم العباس.
٢- العقيدة الراسخة التي تؤكدها الحوراء زينب عليها السلام (فواللهٍ إنَّ هذا لعهدٌ من الله إلى جدك وأبيك).
وفيه بيان ضرورة المعرفة العقدية المتعلقة بيوم عاشوراء، وأثرها في التعامل مع الواقع في الدفاع عن المقدسات، واستلهام الدروس والعِبر.
٣- مواساة الحوراء زينب عليها السلام لإمام زمانها آنذاك السجاد "عليه السلام"، وضرورة المواصلة مع الإمام صاحب الزمان الحجة على العباد من الله اليوم، ومواساته في مثل هذه المصائب (فهو المعزَّى وصاحب العزاء واقعًا)، وفي ذلك أبعاد مهمة بالنسبة لصاحب العزاء، والحاضرين، والخطيب.
٤- الإشارة إلى بعض الأمور الغيبية المتعلقة بهذه النهضة الحسينية الخالدة، ومنها: أولًا ما يتعلق بالأمر الإلهي في دفن الأجساد الطاهرة وأنها لا تبقى هكذا في العراء إنهم يجمعون هذه الأعضاء المقطعة، والجسوم المضرجة فيوارنها) وقد تم ذلك في اليوم الثالث لشهادته حيث كان بنو أسد مع الإمام السجاد "عليه السلام" في الدفن، وآخرًا ما يتعلق بخلود قبر الإمام الحسين عليه السلام (وينصبون بهذا الطف عَلَمًا) وقد تحقق ذلك.
٥- عظمة قبر سيد الشهداء الإمام الحسين "عليه السلام" فقد أصبح أعظم عَلَمٍ للثائرين بوجه الطغاة، حيث تلك الثورات التي ثارت للأخذ بالثأر حتى سقطت حكومات وطواغيت، برغم ما قاموا به من تنكيل وتخريب للقبر ابتداء من اللامتوكل العباسي وختامًا وحفيده صدام وعصابته، ولكن بقي هذا القبر قبلة الأحرار والزوار.
٦- مدى شدة عداء الطواغيت لقبر الإمام الحسين عليه السلام خاصة، حيث المبالغة في محاربته (وليجهدنَّ أئمة الكفر وأشياع الضلال)، ولكن نتيجة ذلك هو الخسران المبين، والخلود والشموخ لقبره (لا يُدرس أثره، ولا يُمخى رسمه)، وهذا قبره يسجد التبر على أعتابه، ولا قبور للطواغيت.
٧- الوعد الإلهي ببقاء قبر الإمام الحسين "عليه السلام" خالدًا، بل يزداد رفعة وشموخًا وسؤددًا تهوي إليه القلوب حيث (فلا يزداد أثره إلا علوًّا)، وبقي القبر آية إلهية حسينية على صدق النهضة وقدسيتها، وشرف أصحابها.
٨- بيان دور الزائرين لهذا القبر في بقاء وخلودها، وزيارته برغم كل الشدائد والمحن التي تحملوها من الطواغيت في منع الزائرين وحبسهم وتشريدهم وقتلهم، ولكنهم لم يستطيعوا ذلك؛ حيث نصر الله تعالى للزائرين، وحفظهم من كيد الأعداء
٩- اتساع مقام تلك البقعة من رمضاء كربلاء؛ ليصل صوتها وصورتها إلى العالم كله، فتكون أعظم من مساحتها المكانية والزمانية، فلم تبق كربلاء في حدود الحائر بالنسبة للزائرين، ولا ليوم معيَّن للزيارة مثل يوم عاشوراء أو يوم الأربعين، بل غدت أيام وأسابيع، وهذا من جهاد الزائرين وولائهم وتحدِّيهم.
١٠- الدروس والعِبر العظيمة لهذا القبر المبارك في الجوانب العقدية، والتاريخية، والجغرافية، والاجتماعية، والإنسانية، والسياسية، والعسكرية وغيرها التي نراها بكل جلاء قد تجلَّت فيه وفي زائريه.
أخيرًا ..
إنَّ هذه الحشود المليونية للزائرين في يوم الأربعين على اختلاف عقائدهم وقومياتهم وجنسياتهم من أعظم مصاديق هذه الرواية الزينبية الحسينية العظيمة، والتي لا بد من دراستها في جوانبها المختلفة، وضرورة الاعتناء بها؛ حيث غدت أكبر تجمع بشري إيماني على الكرة الأرضية ..
فسلام على كربلاء وشهدائها .. وعقيلتها .. وزوارها .. وملائكتها .. وخدمتها على مر الليالي والأيام..


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!