كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

خطاب الرسالة ازاء محاولات التنصل من المسؤولية الاخلاقية: قراءة في خطابات السيدة زينب عليها السلام

 لم تكن خطابات السيدة زينب عليها السلام بعد كربلاء مجرد كلمات ألقتها في ظرف استثنائي، بل كانت امتداداً لرسالة النبوة، وتجلياً لوعي قرآني استطاع ان يحول لحظة الانكسار الظاهري الى لحظة انتصار فكري واخلاقي ، لقد خاطبت السلطة من موقع الرسالة، لا من موقع المهزوم، ولذلك لم يكن همها الرد على الشماتة، بقدر ما كان همها تصحيح المفاهيم التي حاولت السلطة ان تشوهها، وفي مقدمتها مفهوم المسؤولية الأخلاقية عن ما حصل في كربلاء.
وقبل ان تواجه ابن زياد ويزيد، كانت زينب عليها السلام قد بلغت من المعرفة بالله مبلغاً جعلها تنظر الى كربلاء بمنظار التكليف الالهي، لا بمنظار الفاجعة وحدها، فقد كان قلبها مشدوداً الى الله في ذروة المصاب، وبذلك غلبت عندها حقيقة الرضا على مرارة الالم، وارتفع يقينها فوق جراحها. وما روي عنها من كلمات تعبر عن تسليمها المطلق لله يكشف عن روح عرفت ان الرسالات لا تصنعها الراحة والدعة بل تكتبها ميادين البلاء والتضحية والصبر.
ومن هذا الوعي العرفاني انطلقت في قراءة الاحداث، فلم تكن تستحضر القرآن للاستشهاد اللفظي، وانما كانت تستحضر روحه ومقاصده، حتى أضحى خطابها تفسيراً حياً للنص الديني وهو يتحرك في قلب الواقع.
ولعل اوضح صور ذلك ما جرى في مجلس عبيد الله بن زياد، حين حاول ان يلبس جريمته لباس القضاء الالهي، فقال مخاطبا اياها (كيف رأيت صنع الله باخيك واهل بيتك؟)،فهذا السؤال ليس مجرد استهزاء كما هو واضح ، بل كان محاولة فكرية لنزع المسؤولية عن القاتل، وتصوير المذبحة على انها فعل الهي لا دخل للسلطة فيه.
غير ان السيدة زينب عليها السلام ادركت المقصد الكامن وراء السؤال، فلم تنشغل بالرد العاطفي الانفعالي ، بل اجابت من داخل الرؤية القرآنية بقولها (ما رأيت الا جميلا) لقد كانت ترى جمال الثبات على الحق، وجمال الوفاء للعقيدة، ومبدأية الانسان حين يسمو على خوفه من الموت. وبذلك نقلت معيار الحكم من نتائج المعركة الى قيمها، ومن ظاهر الحدث الى حقيقته.
ثم جاءت عبارتها الاخرى (هؤلاء قوم كتب الله عليهم القتل فبرزوا الى مضاجعهم) لتؤسس لفهم دقيق للعلاقة بين القضاء الالهي واختيار الانسان. فهي لم تمنح السلطة حق الاحتماء بالقدر، ولم تجعل علم الله السابق مبرراً للجريمة، بل اكدت ان الانسان يبقى مسؤولا عن افعاله، وان الظالم لا يستطيع ان يتخفى خلف المفاهيم الدينية ليفلت من المسؤولية الاخلاقية.
وعندما وقفت في مجلس يزيد، استمرت في النهج نفسه. فلم تناقشه بمنطق السياسة، وانما بمنطق القرآن، لتبين ان امتلاك القوة لا يمنح الشرعية، وان اتساع الملك ليس دليلاً على رضا الله، وان التاريخ لا يقاس بما يحققه السيف من غلبة، بل بما تصنعه المبادئ من خلود. وهكذا اصبح القرآن في خطابها مرجعية عليا تحاكم السلطة، بدلاً من ان يكون وسيلة بيد السلطة لتبرير افعالها.
لقد ادركت السيدة زينب عليها السلام ان اخطر ما يفعله الاستبداد ليس القتل وحده، بل العبث بالمفاهيم، وتحويل الدين الى اداة لتبرئة الظالم. لذلك كان مشروعها الحقيقي هو استعادة المعنى الصحيح للنص الديني، ذاته النص الذي استشهد من أجل بقاءه وتطبيقه الإمام الحسين عليه السلام، واعادة بناء وعي الامة على اساس ان الله لا ينسب اليه الظلم، وان كل انسان مسؤول عن اختياره مهما حاول ان يتوارى خلف شعارات الدين او القضاء والقدر.
ومن هنا بقيت خطاباتها خالدة، لانها لم تكن تعالج واقعة تاريخية فحسب، بل كانت تؤسس لقاعدة اخلاقية وفكرية صالحة لكل زمان، مفادها ان الرسالة لا تسمح للسلطة ان تختطف الدين، وان النص القرآني وجد ليكون ميزاناً يحاكم القوة، لا اداة تمنحها الشرعية . وهكذا تحولت السيدة زينب عليها السلام من شاهدة على المأساة الى صانعة للوعي، ومن اسيرة في ظاهر المشهد الى قائدة للانتصار المعنوي الذي بقي صداه يتردد في ضمير الامة حتى يومنا هذا. 
ولعل هذا الوعي العميق هو ما ترجمته السيدة زينب عليها السلام في خاتمة خطابها الخالد أمام يزيد، حين أعلنت، بكل ثقة الرسالة ويقين المؤمن، فجاءت كلماتها اختصاراً لكل ما أرادت أن تؤسسه في خطاباتها، إذ قالت:
(فكد كيدك، واسع سعيك، وناصب جهدك، فوالله لا تمحو ذكرنا، ولا تميت وحينا، ولا تدرك أمدنا، ولا ترحض عنك عارها، وهل رأيك إلا فند، وأيامك إلا عدد، وجمعك إلا بدد، يوم ينادي المنادي: ألا لعنة الله على الظالمين).

✦ كتابات في الميزان ✦

يقرأ المقال خطابات السيدة زينب (عليها السلام) بوصفها مواجهة فكرية وأخلاقية لمحاولة السلطة الأموية التنصل من مسؤوليتها عن جريمة كربلاء عبر الاحتماء بمفهوم القضاء الإلهي. وتبرز قوة الخطاب الزينبي في إعادة الأمور إلى ميزانها القرآني: الإيمان بالقضاء لا يلغي مسؤولية الإنسان عن اختياره، والقوة لا تمنح الظالم شرعية. وهكذا تحولت زينب (ع) من شاهدة على الفاجعة إلى صانعة وعي حفظ رسالة كربلاء وكشف محاولات توظيف الدين لتبرير الظلم.

زينب.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!