كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

شبهات وردود حول النهضة الحسينية / القسم الخامس والعشرون : إذا كان يزيد بهذه الدرجة من الانحراف، فلماذا لم يعترض عليه جميع المسلمين ؟

من الشبهات التي تُثار حول موقف الإمام الحسين (عليه السلام) من يزيد أن كثيرًا من المسلمين لم يخرجوا عليه، ولم يعلنوا حربًا شاملة ضد حكمه، بل إن بعض الشخصيات الإسلامية البارزة لم تلتحق بالإمام الحسين (عليه السلام). ويُقال بناءً على ذلك: لو كان يزيد غير صالح للحكم فعلًا، فلماذا لم يجتمع المسلمون على رفضه؟
     تقوم هذه الشبهة على قاعدة غير صحيحة، وهي أن صحة الموقف تُقاس بعدد المؤيدين له، بينما التاريخ والقرآن والعقل لا يقرران ذلك.
الكثرة ليست معيارًا لمعرفة الحق
القرآن الكريم يلفت النظر إلى أن الكثرة لا تعني دائمًا صحة الموقف، قال تعالى:
﴿وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله﴾.
فالحق لا يتحول إلى باطل بسبب قلة أنصاره، كما أن الباطل لا يصبح حقًا بسبب كثرة أتباعه.
ولهذا لا يمكن أن يكون السؤال: كم شخصًا عارض يزيد؟
بل السؤال الصحيح هو: ما طبيعة حكم يزيد؟ وهل كان منسجمًا مع المعايير الإسلامية للقيادة؟
لم يكن المسلمون جميعًا راضين عن يزيد
     تثبت المصادر التاريخية أن عددًا من الشخصيات الإسلامية لم تكن راضية عن تولية يزيد، وأن موقفها من بيعته لم يكن واحدًا.
ومن أبرز الشخصيات التي رفضت البيعة في البداية الإمام الحسين (عليه السلام)، وعبد الله بن الزبير، كما كان لعبد الله بن عباس موقف ناقد لتولي يزيد، ولم تكن بيعة يزيد محل إجماعٍ ديني أو سياسي بالمعنى الذي تحاول الشبهة تصويره (١).
وهذا مهم؛ لأن مجرد عدم خروج الجميع بالسيف لا يعني أنهم كانوا مقتنعين بشرعية يزيد.
لماذا لم تتحول المعارضة إلى ثورة شاملة؟
لأن المعارضة السياسية لا تتخذ شكلًا واحدًا.
فقد يعارض الإنسان الحاكم فكريًا، أو يرفض بيعته، أو يعتزل سلطانه، أو ينصحه، أو ينتظر فرصة مناسبة لمواجهته، وقد يختار المقاومة المسلحة.
وهذه المواقف لا يمكن وضعها كلها في خانة واحدة.
ثم إن الدولة الأموية كانت تمتلك جهازًا إداريًا وعسكريًا واسعًا، وكانت قادرة على استخدام القوة في قمع المعارضين، كما ظهر بوضوح في أحداث الكوفة بعد وصول عبيد الله بن زياد.
فقد استطاع خلال فترة قصيرة تفريق الناس عن مسلم بن عقيل، مستخدمًا التهديد والترهيب والوعيد (٢).
وهذا يفسر جزئيًا لماذا لم تتحول المعارضة إلى حركة جماهيرية واسعة في كل أنحاء العالم الإسلامي.
الإمام الحسين (عليه السلام) لم يقل إن الجميع يجب أن يخرجوا معه
ومن اللافت أن الإمام نفسه لم يبنِ موقفه على ضرورة اجتماع المسلمين جميعًا حوله.
بل عندما كان أصحابه معه في كربلاء، أعطاهم الحرية الكاملة في الانصراف، وقال:
(وهذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملًا، وليأخذ كل رجل منكم بيد رجل من أهل بيتي، وتفرقوا في سواد هذا الليل). (٣)
فإذا كان الإمام لم يُكره أقرب أصحابه على البقاء، فمن باب أولى أنه لم يجعل شرعية موقفه متوقفة على خروج جميع المسلمين معه.

   لماذا كان موقف الإمام مختلفًا؟

لأن الإمام الحسين (عليه السلام) كان ينظر إلى المسألة باعتبارها مسؤولية شرعية وأخلاقية، لا باعتبارها مجرد استفتاء شعبي.
وقد قال:
(إني لم أخرج أشِرًا ولا بطرًا، ولا مفسدًا ولا ظالمًا، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي).(٤)
فالإصلاح قد يبدأ من فرد واحد إذا أصبحت الظروف تفرض عليه مسؤوليةً لا يستطيع التنصل منها.
وهذا هو المنطق الذي عرفته الرسالات الإلهية؛ فقد وقف الأنبياء في أوقات كثيرة في مواجهة مجتمعات كاملة، ولم يكن عدد الأتباع هو الذي يمنحهم الشرعية.

وماذا عن الصحابة والتابعين الذين لم يخرجوا؟

سبق أن بينا أن عدم الخروج لا يعني بالضرورة تأييد يزيد.
فبعضهم كان يخشى على الإمام من الغدر، وبعضهم لم يكن يرى أن المواجهة المسلحة تحقق الهدف، وبعضهم اختار الاعتزال، وبعضهم كان بعيدًا عن مركز الأحداث.
كما أن بعض الشخصيات الإسلامية لم تكن تملك القدرة الواقعية على مواجهة الدولة الأموية.
ومن الخطأ أن نحاكم جميع تلك المواقف بحكم واحد.

الأحداث التاريخية كشفت طبيعة الحكم

لو كان عدم وجود إجماع ضد يزيد دليلًا على صلاح حكمه، لوجب أن نقول إن كل حاكم لم يواجه ثورةً شاملة هو حاكم شرعي وصالح.
وهذا استنتاج لا يقبله العقل.
بل إن الأحداث التي وقعت في عهده كشفت طبيعة العلاقة بين السلطة والمعارضة، ومنها واقعة الحرة في المدينة، ثم حصار مكة، وهي أحداث تركت أثرًا بالغًا في موقف المسلمين من الحكم الأموي (٥).
وقد نقلت المصادر التاريخية أخبارًا واسعة عن استباحة المدينة في واقعة الحرة، وعن اضطراب الوضع السياسي بعد مقتل الإمام الحسين (عليه السلام)، الأمر الذي يكشف أن المعارضة لم تكن مجرد موقف فردي للإمام الحسين (عليه السلام).

لماذا بقي موقف الإمام الحسين (عليه السلام) أكثر وضوحًا؟

    لأن الإمام لم يكتفِ بالرفض الداخلي، بل أعلن موقفه بصورة صريحة، وربطه بمبدأ الإصلاح.
قال:
(ألا ترون أن الحق لا يُعمل به، وأن الباطل لا يُتناهى عنه، فليرغب المؤمن في لقاء الله محقًا) .(٦)
وهنا تظهر خصوصية الموقف الحسيني؛ فقد انتقل من مجرد عدم الرضا إلى إعلان الموقف والدفاع عنه.
ولذلك أصبحت كربلاء علامةً تاريخيةً فارقة، لأنها طرحت سؤالًا لا يزال حاضرًا: هل يجوز أن تتحول السلطة إلى مصدرٍ لتعريف الحق والباطل؟

الحق لا يحتاج إلى إجماع سياسي

من الناحية العقلية، لا يشترط في الموقف الأخلاقي الصحيح أن يجتمع عليه الجميع.
فقد يكون المجتمع خائفًا، أو مضللًا إعلاميًا، أو عاجزًا، أو مختلفًا في تقدير الوسائل. والإنسان لا يُعفى من مسؤوليته الأخلاقية لمجرد أن الآخرين لم يتخذوا الموقف نفسه.
وهذا بالضبط ما يجعل موقف الإمام الحسين (عليه السلام) مختلفًا؛ فقد رفض أن يجعل موقفه تابعًا لموازين القوة أو لحسابات الأكثرية.
وعليه، فإن عدم اعتراض جميع المسلمين على يزيد لا يدل على شرعية حكمه، كما أن عدم مشاركة جميع الشخصيات الإسلامية في نهضة الإمام الحسين (عليه السلام) لا يدل على خطأ موقفه. فقد كانت المواقف متعددة، وكانت الظروف السياسية والأمنية مختلفة، ولم يكن الجميع قادرًا أو مستعدًا لاتخاذ موقف عسكري.
أما الإمام الحسين (عليه السلام) فقد اختار أن يجعل موقفه قائمًا على الإصلاح وإقامة الحجة، فقال: «أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر»، فكان موقفه اعتراضًا مبدئيًا على تحويل الانحراف إلى شرعية، لا مجرد خلاف شخصي على السلطة.

الهوامش
(١) ابن الأثير، الكامل في التاريخ، ج٤، ص٢٠-٤٢.
(٢) الطبري، تاريخ الأمم والملوك، ج٥، ص٣٧٠. 
(٣) الشيخ المفيد، الإرشاد، ج٢، ص٩١. 
(٤) المجلسي، بحار الأنوار، ج٤٤، ص٣٢٩.
(٥) الطبري، تاريخ الأمم والملوك، ج٥، ٤٩٨.
(٦) الشيخ المفيد، الإرشاد، ج٢، ص٧٨؛ الخوارزمي، مقتل الحسين، ج١، ص٢٣١.

الحسين_عاشوراء.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!