كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

شبهات وردود حول النهضة الحسينية / القسم الرابع والعشرون : لماذا لم ينتظر الإمام الحسين (عليه السلام) حتى تتغير الظروف السياسية ؟

   من الشبهات التي تُثار حول النهضة الحسينية أن الإمام الحسين (عليه السلام) كان يستطيع أن ينتظر سنواتٍ أخرى حتى تضعف الدولة الأموية أو تتغير موازين القوى، بدلًا من الدخول في مواجهةٍ غير متكافئة مع سلطة تمتلك جيشًا وإمكاناتٍ ضخمة. ويقال: أليس من الحكمة السياسية أن ينتظر الإنسان حتى تتوفر له القدرة على تحقيق أهدافه؟
      هذه الشبهة تنطلق من افتراض أن الإمام كان يتعامل مع القضية باعتبارها صراعًا سياسيًا على السلطة، بحيث يمكن تأجيل الموقف إلى أن تصبح الظروف أكثر ملاءمة. لكن هذا الافتراض يغفل طبيعة المشكلة التي واجهها الإمام.
      المشكلة لم تكن قابلة للتأجيل
عندما تولى يزيد الحكم، لم يكن المطلوب من الإمام الحسين (عليه السلام) أن يبقى صامتًا، بل طُلب منه أن يمنح السلطة الجديدة شرعيةً من خلال البيعة.
وقد كتب الوليد بن عتبة إلى الإمام يطلب منه البيعة ليزيد، فجاء موقف الإمام واضحًا في رفضه، لأنه رأى أن القضية تتجاوز شخصه إلى مستقبل الأمة ومفهوم الخلافة (١).
وقد عبّر الإمام عن موقفه بقوله:
(ومثلي لا يبايع مثله).(٢)
فلو أن الإمام انتظر، لكان معنى ذلك ـ في نظره ـ قبول الأمر الواقع ومنح السلطة شرعيةً لم يكن يراها مستحقة.

هل كانت الظروف السياسية تسمح بالانتظار؟

      من الناحية التاريخية، كان الإمام الحسين (عليه السلام) يعيش تحت ضغط السلطة منذ الأيام الأولى لتولي يزيد.
وقد أمر يزيد والي المدينة بأخذ البيعة من الإمام، وإذا امتنع فليُقتل (٣).
ولهذا غادر الإمام المدينة متوجهًا إلى مكة، ولم يكن خروجه بدايةً مشروعًا عسكريًا، وإنما كان أولًا رفضًا للبيعة المفروضة.
      فالمسألة لم تكن أن الإمام اختار معركة في الوقت الذي يريده، وإنما وجد نفسه أمام سلطة تطلب منه الاعتراف بشرعيتها.

الانتظار قد يكون موقفًا، لكنه ليس دائمًا حلًا

      قد يكون الانتظار حكمةً في بعض الظروف، لكنه يصبح غير مقبول عندما يؤدي إلى ترسيخ الانحراف وتحويله إلى أمرٍ طبيعي.
فإذا كان الحاكم يطلب من أبرز شخصية دينية في الأمة أن تمنحه الشرعية، فإن موافقة الإمام أو صمته قد يفهمان على أنهما قبولٌ بشرعية الحكم.
ومن هنا نفهم أهمية قول الإمام:
(وعلى الإسلام السلام إذ قد بُليت الأمة براعٍ مثل يزيد).(٤)
فالقضية عند الإمام لم تكن خلافًا شخصيًا مع الحاكم، بل خوفًا على مستقبل الإسلام إذا أصبح هذا النموذج  من الحكم هو المعيار المقبول.
     فالإمام لم يخرج مباشرةً إلى القتال
ومن المهم تصحيح تصور شائع: الإمام الحسين (عليه السلام) لم يخرج من المدينة متوجهًا إلى كربلاء وهو يطلب المواجهة العسكرية.
لقد انتقل إلى مكة، وبقي فيها مدة، ثم وصلته رسائل أهل الكوفة، فأرسل مسلم بن عقيل للتحقق من موقفهم، ثم تحرك بعد ذلك.
وخلال الرحلة حاول تجنب الحرب، وعندما تغيرت الظروف لم يندفع إلى القتال، بل عرض حلولًا متعددة (٥).
وهذا يعني أن الإمام لم يكن يبحث عن توقيت عسكري مناسب للمعركة، بل كان يبحث عن طريق يحفظ المبدأ ويمنع سفك الدماء.

ماذا لو انتظر الإمام؟

     السؤال هنا: ما الذي كان سيحدث لو انتظر الإمام سنوات؟
لا يمكن الجزم بما كان سيحدث، لكن يمكن قراءة النتائج المحتملة من طبيعة السلطة الأموية.
فلو قبل الإمام البيعة أو سكت عنها، لكان من السهل على السلطة أن تستخدم موقفه لإضفاء الشرعية على يزيد، خصوصًا أن الإمام كان من أبرز الشخصيات الدينية والاجتماعية في الأمة.
وبذلك كان يمكن أن تتحول البيعة إلى رسالة سياسية تقول للأمة: إن أبرز شخصية من أهل بيت النبي (صلى الله عليه وآله) قبلت بهذا الحكم.
وهذا تحديدًا ما لم يرد الإمام أن يمنحه للسلطة.
 
موقف الإمام كان قائمًا على الإصلاح لا على التوقيت السياسي

      قال الإمام الحسين (عليه السلام):
(إني لم أخرج أشِرًا ولا بطرًا، ولا مفسدًا ولا ظالمًا، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي) (٦)
فإذا كان الهدف إصلاح الأمة، فإن السؤال لا يصبح: هل الظروف مناسبة؟
بل: هل أصبح السكوت عن الانحراف نفسه جزءًا من المشكلة؟
وهذا هو جوهر موقف الإمام.
إن الإصلاح في الفكر الإسلامي لا يعني انتظار الظروف المثالية دائمًا، لأن الظروف المثالية قد لا تأتي أصلًا، وقد يؤدي الصمت الطويل إلى أن يصبح الانحراف واقعًا مألوفًا لا يعترض عليه أحد.

الإمام الحسين (عليه السلام) اختار الموقف لا المغامرة

     ومن هنا يتضح أن الإمام لم يكن غافلًا عن موازين القوى، بل كان يعرف أنه يواجه قوةً عسكرية ضخمة.
وقد قال لأصحابه في ليلة عاشوراء:
(إني لا أعلم أصحابًا أوفى ولا خيرًا من أصحابي).(٧)
ثم أعطاهم الحرية في الانصراف.
وهذا يؤكد أن الإمام كان واعيًا لطبيعة الموقف، لكنه لم يرَ أن ضعف العدد يبرر التنازل عن المبدأ.
فالنهضة الحسينية لم تكن حسابًا عسكريًا هدفه إسقاط الدولة الأموية في يوم واحد، وإنما كانت موقفًا إصلاحيًا أراد من خلاله الإمام أن يضع حدًا لتحويل الانحراف إلى شرعية.
وعليه، فإن القول بأن الإمام الحسين (عليه السلام) كان ينبغي أن ينتظر تغير الظروف السياسية يفترض أن القضية كانت مجرد صراع على السلطة يمكن تأجيله. لكن الوقائع تظهر أن الإمام كان يواجه مطالبةً مباشرةً بالبيعة، وأن قبولها كان يعني منح الشرعية لحكمٍ رفضه من الناحية الدينية والأخلاقية. وقد حاول الإمام تجنب القتال، وقدم بدائل متعددة، لكن عندما أُغلقت أمامه سبل الحل، اختار الثبات على موقفه.
وهكذا، لم تكن كربلاء نتيجةَ استعجال سياسي، وإنما نتيجةَ صراع بين منطق الشرعية والمبدأ من جهة، ومنطق الإكراه والسلطة من جهة أخرى.

الهوامش
(١) الطبري، تاريخ الأمم والملوك، ج٥، ص٣٣٨. 
(٢) الشيخ المفيد، الإرشاد، ج٢، ص٣٣. 
(٣) الطبري، تاريخ الأمم والملوك، ج٥، ص٤٠٠. 
(٤) الخوارزمي، مقتل الحسين، ج١، ص١٨٤.
(٥) الطبري، تاريخ الأمم والملوك، ج٥، ص٤١١. 
(٦) المجلسي، بحار الأنوار، ج٤٤، ص٣٢٩.
(٧) الشيخ المفيد، الإرشاد، ج٢، ص٩١-٩٢. 

حنظلة_الحسين.jpg



التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!