كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

شبهات وردود حول النهضة الحسينية / القسم الثاني والعشرون : لماذا اصطحب الإمام الحسين (عليه السلام) النساء والأطفال معه إلى كربلاء ؟

 من أكثر الشبهات تداولًا حول النهضة الحسينية القول: إذا كان الإمام الحسين (عليه السلام) يعلم بخطورة الموقف، فلماذا اصطحب معه النساء والأطفال؟ أليس الأولى أن يتركهم في المدينة أو مكة حفاظًا على سلامتهم؟ وهل كان اصطحابهم سببًا في تعريضهم للأسر والمعاناة؟
     وتقوم هذه الشبهة على تصورٍ أن دور النساء والأطفال في كربلاء كان عرضيًا، وأن وجودهم لم يكن له أثرٌ في أهداف النهضة، بينما تكشف الوقائع التاريخية أن وجودهم كان جزءًا من الرسالة الإعلامية والتربوية التي حفظت الثورة من التحريف والاندثار.
      ولم يكن خروج النساء والأطفال أمرًا غير مألوف في ذلك العصر؛ إذ كانت الأسر ترافق الرجال في كثير من الأسفار، ولا سيما إذا كان السفر طويلًا ولا يُعلم وقت العودة منه. وعندما غادر الإمام الحسين (عليه السلام) المدينة متوجهًا إلى مكة، لم يكن قد صدر حكمٌ بالحرب، بل كان خارجًا لرفض البيعة والابتعاد عن ضغوط السلطة الأموية (١).
      ثم إن الإمام الحسين (عليه السلام) لم يبدأ حربًا هجومية، ولم يكن متجهًا إلى ساحة قتال معلومة، وإنما كان يستجيب لدعوة أهل الكوفة الذين أرسلوا إليه آلاف الرسائل يطالبونه بالقدوم (٢). ومن ثم فإن تصوير الأمر وكأن الإمام خرج بعائلته إلى معركةٍ مقررة سلفًا لا ينسجم مع تسلسل الأحداث التاريخية.
      فلو استشهد الإمام الحسين (عليه السلام) وأصحابه جميعًا، ولم يبق أحدٌ ينقل حقيقة ما جرى، لتمكنت السلطة الأموية من صياغة الرواية التي تريدها، ولأمكنها أن تصف الإمام بأنه خارجٌ على الدولة، وأنه قُتل في نزاعٍ سياسي، دون أن يعرف الناس حقيقة ما وقع في كربلاء. لكن وجود العقيلة السيدة زينب بنت علي، والإمام علي بن الحسين زين العابدين، وبقية النساء والأطفال، أدى إلى نقل تفاصيل المأساة إلى الأمة، وإقامة الحجة على السلطة الأموية.
وقد ظهر هذا الدور بوضوح في الكوفة والشام؛ إذ خطبت السيدة زينب (عليها السلام) في أهل الكوفة، ثم وقفت في مجلس يزيد قائلة:
(فكد كيدك، واسع سعيك، وناصب جهدك، فوالله لا تمحو ذكرنا، ولا تميت وحينا.) (٣)
وقد أثبت التاريخ صدق هذه الكلمات؛ إذ بقيت كربلاء حيةً في ضمير المسلمين، بينما زالت الدولة الأموية.
كما قام الإمام زين العابدين (عليه السلام) بخطبه في الكوفة ودمشق، فعرف الناس حقيقة ما جرى، وانقلب الرأي العام على السلطة الأموية، حتى اضطُر يزيد إلى التبرؤ من جريمة قتل الإمام الحسين (عليه السلام) أمام الناس (٤).
     ومن هنا يتبين أن النساء والأطفال لم يكونوا مجرد مرافقين للقافلة، بل كانوا امتدادًا للنهضة بعد انتهاء المعركة.
ومن الشواهد المهمة أن الإمام الحسين (عليه السلام) كان يعلم أن مسؤوليته لا تقتصر على مواجهة الانحراف بالسيف، بل تشمل أيضًا حفظ الرسالة بعد استشهاده. ولذلك قال:
(إني لم أخرج أشِرًا ولا بطرًا، ولا مفسدًا ولا ظالمًا، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي.)(٥)
ولم يكن الإصلاح ليتحقق لو بقيت أحداث كربلاء مجهولة أو محرّفة.
كما أن التاريخ يؤكد أن أكثر الثورات المسلحة انتهت بانتهاء قادتها، أما النهضة الحسينية فقد استمرت؛ لأن هناك من حمل رسالتها بعد عاشوراء، وكانت السيدة زينب (عليها السلام) والإمام زين العابدين (عليه السلام) في مقدمة هؤلاء.
      وعليه، فإن اصطحاب الإمام الحسين (عليه السلام) النساء والأطفال لم يكن تصرفًا غير مدروس، بل كان جزءًا من الحكمة الإلهية في حفظ أهداف النهضة. فقد نقلوا للأمة حقيقة ما جرى، وأسقطوا الدعاية الأموية، وحوّلوا الانتصار العسكري المؤقت إلى هزيمةٍ إعلامية وأخلاقية دائمة للسلطة. ولذلك لم تكن رسالة كربلاء لتنتهي عند عصر عاشوراء، بل بقيت خالدة بفضل الدور الذي أدته قافلة السبايا في كشف الحقيقة وحفظ الرسالة.
الهوامش
(١) الشيخ المفيد، الإرشاد، ج٢، ص٣٣-٣٨. 
(٢) الطبري، تاريخ الأمم والملوك، ج٥، ص٣٤٧-٣٥٣. 
(٣) اللهوف على قتلى الطفوف، ص١٥٥؛ المجلسي، بحار الأنوار، ج٤٥، ص١٣٥.
(٤) الشيخ المفيد، الإرشاد، ج٢، ص١٢١-١٢٦. 
(٥) المجلسي، بحار الأنوار، ج٤٤، ص٣٢٩

الحسين.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!