كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

هرمز: من ممر نفطي إلى ورقة تفاوض

 يحتل مضيق هرمز موقعاً محورياً في معادلات الطاقة والأمن الدوليين، بوصفه أحد أهم الممرات البحرية في العالم. وتمر عبره نحو 20 مليون برميل من النفط والمنتجات النفطية يومياً، بما يعادل قرابة 20% من استهلاك السوائل النفطية عالمياً. كما تمر عبره نسبة تقارب 20% من تجارة الغاز الطبيعي المسال عالمياً.
هذا الحجم من الحركة التجارية يجعل المضيق قضية دولية تتجاوز حدود الدول المطلة عليه. إلا أن المقاربة الإيرانية تتعامل مع هرمز باعتباره جزءاً من معادلة أمنية وسياسية أشمل، ترتبط ارتباطاً مباشراً بملفات إقليمية ودولية أخرى.
ويمنح الموقع الجغرافي إيران حضوراً مباشراً على المضيق، ما يضعها في مواجهة أي تطور يمس أمن الملاحة فيه. وفي المقابل، فإن اعتماد الاقتصاديات الكبرى على نفط وغاز منطقة الخليج يضفي على المضيق أهمية تتجاوز الإقليم، إذ إن أي اضطراب في حركة الملاحة عبره  ينعكس سريعاً على أسواق الطاقة العالمية.
ومن هنا يأتي التركيز الإيراني على تقديم نفسها بوصفها طرفاً أساسياً في أي ترتيبات تتعلق بأمن هذا الممر المائي الحيوي.السمة الأبرز تتمثل في رفض فصل ملف المضيق عن السياقات السياسية والأمنية الأوسع. ويتجلى ذلك في ثلاثة مسارات رئيسة.
أولاً،الملف النووي والعقوبات. ففي مراحل التصعيد التفاوضي أو عند تشديد العقوبات الاقتصادية، ترتفع وتيرة الإشارات إلى «حساسية المضيق»، بينما تتراجع هذه الإشارات عند حصول انفراجات دبلوماسية. وبذلك يغدو المضيق مؤشراً على طبيعة المناخ التفاوضي بين طهران والقوى الكبرى.
ثانياً، الوجود العسكري الأجنبي. تنظر إيران إلى التعزيزات البحرية في الخليج على أنها عامل توتر إضافي، وتربط بين زيادة هذا الوجود وبين المخاطر المحتملة على استقرار الملاحة، حتى عندما يكون الهدف المعلن منه حماية حركة السفن.
وتؤكد إيران في خطابها الرسمي أهمية أمن الملاحة، لكنها في الوقت نفسه تبقي «عامل المخاطرة» حاضراً في الوعي الإقليمي والدولي.
ولا يتمثل الهدف بالضرورة في إغلاق المضيق، وهو خيار ستكون له كلفة على طهران نفسها، بوصفها دولة مصدرة للنفط وتعتمد أيضاً على حركة التجارة عبر الخليج، بل يمكن أن يتحول التلويح بإمكان تعطيل الملاحة إلى أداة للضغط والتفاوض. فالإشارة إلى المضيق تصبح رسالة سياسية سريعة موجهة إلى الداخل والخارج، مفادها أن أي تصعيد ستكون له كلفة تتجاوز حدود الساحة التي بدأ فيها.وبالتالي  انتقل مضيق هرمز من كونه مسألة تتعلق بحركة السفن والطاقة إلى متغير سياسي وأمني مؤثر في حسابات القوى الإقليمية والدولية. ولم يعد يُقاس بأعداد الناقلات التي تعبره فقط، بل بمستوى التوتر أو التهدئة في المنطقة.
وفي ظل استمرار حالة عدم اليقين الإقليمي، سيبقى هرمز حاضراً ليس فقط بوصفه ممراً رئيساً للطاقة، وإنما كورقة تفاوض في ميزان القوى. ويبقى السؤال مفتوحاً حول حدود استخدام هذه الورقة، وما إذا كانت ستظل أداة للردع والضغط السياسي، أم تتحول في مرحلة مقبلة إلى عنصر أكثر تأثيراً في إعادة رسم معادلات الأمن الإقليمي.

✦ كتابات في الميزان ✦

يكشف المقال تحوّل مضيق هرمز من ممر حيوي للطاقة إلى ورقة ضغط إيرانية مرتبطة بالعقوبات والملف النووي والوجود العسكري الأجنبي. فالتلويح بتهديد الملاحة لا يعني بالضرورة إغلاق المضيق، بل توظيف حساسيته لرفع كلفة التصعيد وتعزيز موقع طهران التفاوضي.

مضيق_هرمز.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!