اتفاق مكة الأخير بين المملكة العربية السعودية وباكستان وتركيا يُنظر إليه على أنه تحالف عسكري غايته الردع ومحاولة خلق معادلة أمنية جديدة في المنطقة، وإن نظر البعض إلى توقيت إعلانه على أنه لمواجهة الهجمات الإيرانية، سواء منها المباشرة أو عبر فصائلها في العراق أو اليمن أو مناطق أخرى.
والسؤال هنا: مَن يحتاج هذا الاتفاق؟
تركيا دولة عضو في حلف الناتو، ولديها مظلة قوية تحميها، سواء الناتو أو قدراتها العسكرية الكبيرة، خاصةً أنها من الدول المصدّرة للأسلحة، لا سيما المسيّرات، ناهيك عن أنها بلا أعداء خارجيين، ودولة براغماتية لا تزجّ نفسها في حروب تكون الخسارة فيها أكبر من الربح، لا سيما أنها نأت بنفسها عن المشاركة في عدة حروب، أبرزها حرب الخليج عام 1991 وحرب عام 2003، وهو ما يدلّل على سياستها الواقعية.
أما باكستان، فهي دولة، وإن كانت لها مشكلات مع الهند، إلا أن لديها مظلة ردع نووية وتحالفات مع الصين وحتى أمريكا؛ وبالتالي هي الأخرى لا تحتاج هذا الاتفاق عسكرياً، على الأقل.
المملكة العربية السعودية بحاجة إلى هذا الاتفاق لأسباب عدة، أبرزها أن الحرب الأمريكية–الصهيونية الأخيرة ضد إيران أكدت، ليس للرياض فقط، بل لعموم دول الخليج، أن أولويات واشنطن هي حماية تل أبيب بالدرجة الأولى، وهذا ما جعل القواعد الأمريكية في دول الخليج العربي أهدافاً سهلة للصواريخ والمسيّرات الإيرانية، وهو ما كشف ضعف مظلة الحماية الأمريكية.
وبالتالي، نجد أن تنوع المظلات هو هدف الرياض، وهذا ما يعني أن تركيا ستصدّر مزيداً من الأسلحة الدفاعية إلى السعودية، وباكستان توفر الخبرات العسكرية المطلوبة.
من جانب آخر، فإن هذا الاتفاق، وإن غابت واشنطن عنه إعلامياً، إلا أنها تجد فيه ما يخفف عنها عبء الحماية، دون أن تخسر نفوذها وتحالفاتها مع الرياض أو غيرها من دول الخليج التي قد تنضم لاحقاً إلى هذا التحالف بدرجات متفاوتة.
فواشنطن لديها صفقات أسلحة مع تركيا وباكستان، لا سيما الطائرات، ومن جانب آخر تجد أن هذا التحالف يجنبها المواجهة المباشرة، سواء مع إيران أو الفصائل الموالية لها، وكذلك لا تتكبد خسائر بشرية، كما حصل في مقتل عدد غير قليل من جنودها في حربها الأخيرة، مع تزايد نفقات الحرب نفسها.
وفي الوقت نفسه، تجد واشنطن أن الهدف من هذا الاتفاق يجب ألّا يمس أمن الكيان الصهيوني، ولا يكون موجهاً ضده في أي حال من الأحوال، وهو الأمر الذي تدركه جيداً الدول الثلاث.
وبالتالي، نجد أن هدف وتوقيت إعلان هذا الاتفاق هو توجيه رسائل ضغط سياسي إلى إيران والفصائل المسلحة، لا سيما أن التوقيع على الاتفاق ليس بالضرورة تفعيله مباشرة، بقدر ما إنه يحتاج إلى دراسة ولقاءات ولجان مشتركة.
ولكل من تركيا وباكستان حساباتهما الخاصة مع إيران، الجارة لهما بحدود طويلة، وبينهما مصالح مشتركة كثيرة.
✦ كتابات في الميزان ✦
يقرأ المقال اتفاق مكة بوصفه محاولة سعودية لتنويع مظلات الحماية بعد انكشاف حدود الضمانات الأمريكية، مستفيدةً من قدرات تركيا الدفاعية وخبرات باكستان العسكرية. ويرى أن أنقرة وإسلام آباد تدخلان الاتفاق وفق حسابات براغماتية لا تسمح بمواجهة مباشرة مع إيران. ويخلص إلى أن الاتفاق، في مرحلته الحالية، أقرب إلى رسالة ردع وضغط سياسي منه إلى تحالف عسكري قابل للتفعيل الفوري.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!