كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

زيارة الأربعين : من علامة المؤمن الى هوية الأمة

روي عن الإمام الحسن العسكري عليه السلام أنّ : « عَلَامَاتُ الْمُؤْمِنِ خَمْسٌ : صَلَاةُ إِحْدَى وَخَمْسِينَ ، وَزِيَارَةُ الْأَرْبَعِينَ ، وَالتَّخَتُّمُ فِي الْيَمِينِ ، وَتَعْفِيرُ الْجَبِينِ ، وَالْجَهْرُ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ » . والمصادر الرئيسية التي ذكرت الحديث هي :
١. تهذيب الأحكام : للشيخ الطوسي (ج6 ، ص52 ) .
٢. مصباح المتهجد : للشيخ الطوسي ( ص730 ) .
٣. وسائل الشيعة : للشيخ الحر العاملي ( في أبواب المزار ، وأبواب أحكام الملابس ) .

وللرواية قرائتان :
الأولى : فقهية
الثانية : تاريخية عقائدية

أما الفقهية : فقد يستظهر منها الفقيه حكماً شرعياُ - استحبابياً مثلاً - لهذه الأفعال الخمسة ، وذلك وفق قواعده وأدواته الاستنباطية ..

أما التاريخية العقائدية : فإننا نفهم منها أن الإمام في محلّ وصف ما هو عليه المؤمنون في زمانهم من أعمال وسيرة قد امتازوا بها عن غيرهم وباتت لهم علامة فارقة يُعرفون بها .. فالرواية ليست في مقام تأسيس أحكام وسنّ عبادات بقدر ما يتم تحديد وعدّ عبادات مؤسَّسة غير أنها أصبحت أكثر أداءً وبالتالي شهرةً للمؤمنين في تلك اللحظة التاريخية .. فهي قراءة ترصد السيرة العملية والشعائر التي تحوّلت بفعل التراكم والالتزام إلى مَعالم فارقة وسِمات بارزة تُميز هذه الجماعة عن سائر المكونات في وقتها .

وهذا ما يساعدنا على انتزاع قاعدة كبرى مفادها : إن الشعائر العبادية ليست مجرّد صلة غيبية بين العبد وربه ، بل هي كائنات حية قادرة على التمظهر في شكل هويات جماعية في لحظات معينة من التاريخ ، فتتحول هذه الطقوس من أبعادها الفردية لتصبح رموزاً وجودية تحتمي بها الأمة للحفاظ على كينونتها من الذوبان أو الاندثار .

وهذا التأصيل له جذر عميق في الفلسفة التشريعية للإسلام ، التي حرصت على صياغة الاستقلال الحضاري للمسلمين ، حتى في أدق تفاصيل المظهر والممارسات ، تمييزاً لهم عن الأمم الأخرى ، في صحيح البخاري ومسلم مثلاً عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : « إِنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى لَا يَصْبَغُونَ ، فَخَالِفُوهُمْ » ( أي صبغ الشيب ) . فالخلاف هنا ليس شكلياً ، بل هو إعلان عن استقلالية ثقافية وحضارية وإيمانية .

وإذا تفحصنا المفردة الأبرز - اليوم - في خماسية الإمام العسكري عليه السلام ، وهي زيارة الأربعين ( أي زيارة الإمام الحسين عليه السلام في العشرين من صفر ) - سنجد أنها تخطت في عصرنا الراهن حدود العلامة الفردية للمؤمن ، لتصبح الهوية الإيمانية الموحدة لأمة كاملة .

إن زيارة الأربعين اليوم لم تعد مجرد منسَك ديني يُؤدى ، بل تحولت إلى ملحمة إنسانية وثقافية عابرة للحدود . هنا تسقط جغرافيا السياسة ، وتتلاشى فواصل القوميات واللغات ، لتذوب الفوارق في مسيرة بشرية كبرى تحركها جذوة كربلاء . إنها ثقافة الأمة الحسينية العظيمة التي تلتئم جراحها وشظاياها الجغرافية لتعيد صياغة العالم وفق مذهب أهل بيت العصمة ( عليهم السلام ) ، حيث يتحول المشي إلى كربلاء من مجرد قطع للمسافات بالمسير ، إلى قطع للأنانية والفرقة ، وصياغة لوطن روحي يتسع للبشرية جمعاء .

وختاماً نُضيف : أنه حتى لو شككنا بدلالة ( الأربعين ) على زيارة ال 20 من صفر ، وبضميمة أن أصل زيارة الحسين عليه السلام ثابتة ومسنونة من غير هذه الرواية ، وأننا نفهم من هذه الرواية انها في مقام ذكر علامات إيمانية في قطعة تاريخية وليست في صدد تعميمها على طول التاريخ .. فإننا نجزم بأن زيارة الأربعين في زماننا هذا هي من علامات المؤمن ، بل هوية الإيمان ، ثبوتاً وإثباتا .. مفهوماً ومصداقا ، تصوراً وتصديقا .. آجركم الله

الاربعين.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!