بسم الله الرحمن الرحيم {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} ,السلام على الحسين وعلى أولاد الحسين وعلى أصحاب الحسين الذين بذلوا مهجهم دون الحسين عليه السلام .
ما أن يحل شهر محرم الحرام حتى تكتسي المعمورة لباس الحزن و السواد استذكارا لمصيبة حلت بالأمام أبا عبد الله الحسين والشهداء الذين معه في كربلاء عليهم السلام , طقوس فرضت نفسها منذ نعومة الأظفار تفاعل معها المحبون باحترام ذكراها لما لها من أثر نفسي يتجدد الحزن والبكاء والنحيب مع كل كلمة أو شعر أو ناعي بحق مظلوميتهم , ومن منطلق المحبة والعشق أنبرى العشاق وعلى أمتداد التاريخ أن يعيشوا الواقعة بحزن وكمد وبذل وعطاء لامثيل له عند أول يوم من هلال محرم حتى أربعينيته , فتُنصب السرادق وتعلوا الأصوات وترتفع رايات السواد وينتشر الحزن ليعم زوايا البلد عامة , من أهمها المجالس الحسينية ذات التاريخ الحافل بالذكر والتسبيح والبكاء والنوح على جريمة أرتكبها يزيد وأعوانه عليه لعائن الله سنة 61 هجرية يوم العاشر من محرم بحق الامام الحسين وأولاده واخوته ومحبيه عليهم السلام , ظلت هذه الوصمة المخزية عالقة بجبين الأنسانية والتاريخ على من أرتكبها, شكلت منعطفا تاريخيا مهما غير مسبوق في حياة الأمة الإسلامية التي تنكرت لابن بنت نبيها بأبشع جريمة عرفتها الإنسانية , تناقلها التاريخ منذ 1400 عام ليومنا هذا , للأمام تابعين ومحبين توسعت رقعتهم على مد التاريخ شكلوا شعوب لا يقدر عددهم ولاتحد مساحة تأثيرهم , في ذكرى هذه الواقعة يتجدد ألمها في نفوسهم كل عام فتنعقد مجالس التعزية وتقام الولائم أحياء لهذه الذكرى , ينقل السيد عبد الحسين الشيرازي أن أول مجلس حسيني أنعقد أحياءً لهذه المصيبة أقامه جبرئيل عليه السلام في الجنان , ثم يذكر التاريخ ان مجلسا عقده الأمام زين العابدين والعقيلة زينب عليهما السلام في ليلة الحادي عشر من محرم داخل ساحة المعركة بعد انفضاضها وامام جثامين الشهداء , وآخر مهم أنعقد في الكوفة وآخر في ديوان يزيد بالشام أبكى الحضور بعدها خطبة السيدة زينب عليها السلام في محضر يزيد التي تعتبر أكثر أيلاما وما تبعتها من ضجة وبكاء , تأتي تجسيدا لذكراهم العطرة وتيمنا بقول الأمام الصادق عليه السلام { أحيوا أمرنا رحم الله من أحيا أمرنا } ويحث الأمام على الجلوس والتحدث بأمرهم واعتبار تلك المجالس محبوبة لديهم القارئ والمتصدي للمنبر يُبرع فيه من له القدرة التعبيرية ويمتلك الشجاعة الأدبية يحظى بمقبولية ومحبة وقوة تأثير بالمجتمع كونه, يتمتع بمصداقية وأيمان وعدالة وحسن سمعة وسلوك ونزاهة وأستقامة , عارفا بالقضية مطلعا على حيثياتها حافظا للقرآن والتفسير والسنة النبوية يبحر في شرح الرسائل العملية من حيث المعاملات والفقه والعبادات وكذلك متعمق بالتاريخ العربي والإسلامي محاضرته تجمع بين العلم والثقافة والتربية والتعليم وكذلك يؤشر فيها الخلل ويدعوا للصواب في ما يجري بالبلد منبها للمجتمع نورا ودليلا في ما ينفعهم ويضرهم ,شرح واف عن القضية الحسينية واهدافها ومعان التضحية فيها ,من أوليات شرحه وافتتاح محاضرته حتى تصل لمسامع الحضور وتترسخ في أذهانهم فتكون مدرسة تربوية دينية قائمة بذاتها تُخرج الرجال والنساء, تجني المشاركة فيها فوائد جمة كونها نابعة من حب مفرط لأهل بيت النبوة وحرصا وتمسكا وتيمنا بوصاياهم فهي تضيف هيبة ومعرفة واطلاع من خلال العلاقات الأنسانية التي تربطهم مع البعض , وهو منبر حر للخطابة والأبداع يتوفر بالحضور التفاعل والرغبة والقوة والإرادة ,تتعمق فيه مبادئ التكافل الاجتماعي بين الأفراد وتخلق حالة من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتكون ضد الأفكار المتطرفة وتسعى لأصلاح ذات البين ومد جسور المحبة بين أفراد المجتمع , وللقائم على المجلس الأستعانة باستقطاب الشخصيات المعروفة بثقافتها وتجاربها الغنية والمسحة الأيمانية التي تكتسيها وممن يمتلكون الخبرة والعلمية لحضورها وتفعيل نقاشات وحلقات علم لأنها تعمق سلوك المرؤة والشجاعة والصدق والابتعاد عن النميمة والكره والحقد والخلق المتميز .و تنبذ الباطل وتصطف مع الحق وتناصر المظلوم وتكشف الفاسد, التضحية ونكران الذات وأدب واحترام تجلل الكبير وتعطف على الصغير , آدابها كبيرة ودروسها عظيمة فالحقد والحسد والضغينة من أشد اعدائها والسعي للخير ومد يد العون رسالتها ,وتضيف للشخصية حسن الاصغاء ,وتعلمه أدارة الحوار , أحترام الرأي الآخر , والأقناع بالحجة , ضبط الأنفعال , تحمل المسؤولية , الاحترام , التواضع , الكرم , الشورى , التسامح , حفظ اللسان من الغيبة , الأنتماء للوطن. ومدرسةً للقيم، وجسرًا يصل بين الأجيال، ومؤسسةً تحفظ الهوية وتبني الإنسان. وتُسهم في صناعة مواطنين صالحين يجمعون بين العلم والأدب، و المعرفة والحكمة، و الانتماء والمسؤولية. ان الرسالة السامية للمجالس الحسينية تكمن بأداء دورها التربوي والثقافي والاجتماعي وحصن يحفظ السلم المجتمعي ويغرس في النفوس قيم لامثيل لها , الحسين عليه السلام مدرسة أجيال ومعرفة كنوز وبحر علوم وكلمة حق ورفض مظلومية . سلام عليك يوم ولدت ويوم استشهدت ويوم تبعث حيا.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!