بتراتيل لا يُسمع صوتها، وإيقاعٍ حزينٍ مهيب، وإشارات لا تُرى، ونعيٍ لا تفهمه المسامع ولا تعيه الآذان؛ حلّقت طيور الفلامينكو في أسرابٍ تضمّ العشرات، راسمةً لوحات استعراضية آسرة، وكأنها تنوح فتأسر القلب وتستدرّ الدمع.
وفي صباح يوم الأربعين، عند تمام الساعة العاشرة، حلّقت تلك الطيور فوق قبّة الإمام الحسين (عليه السلام) في مدينة كربلاء المقدسة، على غير عادتها وبعيدًا عن موعد هجرتها؛ فغطّت القبّة بفيئها، وملأت سماء مدينة الفداء والتضحية، لترسم لوحة جنائزية حزينة، تشاطر المحبّين دموعهم وتواسيهم في مصابهم.
اصطفّت الطيور كأنها موكب تشييع مهيب، يرافق ملايين المعزّين الملتفّين حول مرقد سيد الشهداء وهم ينادون: «يا حسين». كان منظرًا مهيبًا سلب العقول وأخذ بالألباب، في مشهد قلّ نظيره، وكأن أسراب الطيور جاءت لتشارك المحبّين حزنهم في هذا اليوم الأليم.
والفلامينكو، أو النحام الوردي، طائر كبير يتميّز بلونه الوردي وطول ساقيه وانحناء منقاره. يتراوح طوله بين ثلاثة وأربعة أقدام، ويبلغ وزنه نحو تسعة أرطال، ويمتدّ تاريخ وجوده إلى قرابة ثلاثين مليون سنة، فيما يتراوح عمره بين ثلاثين وأربعين عامًا.
يكتسب ريشه لونه الوردي المميّز من غذائه الذي يعتمد على الروبيان والطحالب، ويعيش في البحيرات المالحة والأراضي الرطبة والهشّة. وغالبًا ما يُرى ضمن أسراب كبيرة، ويتميّز بطيرانه الجماعي وتغيير اتجاهه بطريقة إيقاعية متزامنة. ويهاجر عادةً بسبب الجفاف أو نقص الغذاء، كما يستطيع الوقوف مدة طويلة على ساق واحدة، وله ستة أنواع تنتشر في مناطق مختلفة من العالم.
ويُعرف الفلامينكو بأسماء أخرى، منها: البشروش، والفنتير، والنحام الوردي، وتواجه بعض أنواعه تهديدات بيئية قد تؤثر في أعدادها وموائلها الطبيعية.
ولا غرابة في هذا المشهد؛ فعالم الطيور، كعالمنا، تحكمه أنظمة دقيقة أبدع الخالق في صنعها. وقد أودع الله في الكائنات صورًا متعددة من الألفة والوفاء والتأثر، تظهر في حركاتها وأصواتها وسلوكها عند الفراق.
لقد جاء الفلامينكو، في ذلك المشهد، كأنه معزٍّ بمصيبة ما أعظمها وأعظم رزيتها في الإسلام؛ فرسم بسربه المحلّق لوحة مؤثرة، عبّرت في وجدان الناظرين عن عِظَم الحزن وفداحة الجريمة التي شهدتها أرض كربلاء.
✦ كتابات في الميزان ✦
حين تعجز الكلمات عن الإحاطة بحزن كربلاء، ترسم الطبيعة في سمائها مشاهد يقرأها المحبّون بلغة القلب؛ فكلّ جناح يحلّق فوق قبّة الحسين (عليه السلام) يبدو كأنه يردّد مع الملايين: لبّيك يا حسين.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!