كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

شبهات وردود حول النهضة الحسينية / القسم الرابع عشر عشر : لماذا لم يُعاقب الله قتلة الإمام الحسين (عليه السلام) فورًا إذا كانت نهضته حقًا ؟

من الشبهات التي يطرحها بعض المشككين أن الإمام الحسين (عليه السلام) كان على الحق، وأن خصومه كانوا على الباطل، فإذا كان الأمر كذلك، فلماذا لم ينزل العذاب الإلهي الفوري بجيش عمر بن سعد كما نزل بالأمم السابقة؟ ولماذا تُرك قتلة الإمام سنواتٍ بعد الواقعة دون عقوبة ظاهرة؟ وهل يدل ذلك على أن القضية كانت مجرد نزاع سياسي لا يستوجب تدخلًا إلهيًا؟
وتنشأ هذه الشبهة من تصورٍ خاطئ لطبيعة السنن الإلهية في التاريخ؛ إذ تفترض أن الله سبحانه يُعجّل العقوبة لكل ظالم في الدنيا، مع أن القرآن الكريم يقرر أن الإمهال لا يعني الرضا، كما أن تأخير العقوبة لا يعني نفي الجريمة.
قال تعالى: ﴿ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثمًا﴾، وقال سبحانه: ﴿ولا تحسبن الله غافلًا عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار﴾.
فالقرآن يقرر أن الله قد يُمهل الظالم لحكمة، لكنه لا يُفلت من الحساب.
ومن الناحية العقلية، فإن العدل الإلهي لا يقتضي أن تكون كل العقوبات دنيوية وفورية، وإلا لما بقي مجالٌ للاختيار والابتلاء، ولأصبح الإيمان قائمًا على مشاهدة العقوبة لا على الإيمان بالغيب. ولهذا عاش كثير من الطغاة في التاريخ سنواتٍ بعد جرائمهم، ولم يكن ذلك دليلًا على رضا الله عنهم.
      أما من الناحية التاريخية، فإن كثيرًا من المشاركين في قتل الإمام الحسين (عليه السلام) لم يسلموا من العقوبة الدنيوية أصلًا. فقد قامت ثورة المختار الثقفي بعد سنوات قليلة من واقعة الطف، وتمكن المختار من ملاحقة عدد كبير من القادة الذين باشروا قتل الإمام وأصحابه، مثل شمر بن ذي الجوشن، وخولي بن يزيد، وسنان بن أنس، وعمر بن سعد، ونُقل في المصادر التاريخية تفاصيل مصرعهم(١).
كما أن عبيد الله بن زياد، الذي كان المسؤول الأول عن الجريمة في العراق، قُتل في معركة الخازر سنة (٦٧هـ)، وانتهى أمره نهايةً مأساوية(٢).
وأما يزيد بن معاوية، فلم يدم ملكه طويلًا، إذ توفي بعد أقل من أربع سنوات من واقعة كربلاء، ثم انهارت الدولة السفيانية سريعًا، وانتقلت السلطة إلى الفرع المرواني، وهو ما عدّه كثير من المؤرخين بداية النهاية لذلك النهج السياسي(٣).
إضافةً إلى ذلك، فإن العقوبة لم تكن عسكرية فقط، بل كانت أخلاقية وتاريخية؛ إذ اقترن ذكر أكثر المشاركين في قتل الإمام الحسين (عليه السلام) باللعن والعار في ذاكرة المسلمين، بينما بقي ذكر الإمام الحسين (عليه السلام) رمزًا للحق والكرامة.
 
     ومن الشواهد المهمة أيضًا أن السيدة زينب (عليها السلام) واجهت يزيد في مجلسه بقولها:
(فكد كيدك، واسع سعيك، وناصب جهدك، فوالله لا تمحو ذكرنا، ولا تميت وحينا.)(٤)
     وقد أثبتت القرون صدق هذا التحدي؛ إذ بقيت نهضة الإمام الحسين (عليه السلام) حاضرةً في وجدان المسلمين، في حين زالت الدولة الأموية نفسها.
إن العقوبة الإلهية ليست دائمًا صاعقةً تنزل من السماء، بل قد تكون سقوطًا سياسيًا، أو انهيارًا أخلاقيًا، أو لعنةً تاريخية، أو عذابًا مؤجلًا إلى الآخرة، وهو ما تؤكده النصوص القرآنية.
وعليه، فإن عدم نزول عذابٍ فوري على قتلة الإمام الحسين (عليه السلام) لا يدل على أنهم كانوا على حق، بل ينسجم مع السنن الإلهية في الابتلاء والإمهال. وقد نال كثيرٌ منهم عقوبته في الدنيا، وبقي الحساب الأكبر يوم القيامة، كما بقيت الثورة الحسينية شاهدًا خالدًا على أن انتصار الحق لا يُقاس بسرعة العقوبة، وإنما ببقاء الرسالة وخلود المبادئ.
الهوامش
١. الطبري، تاريخ الأمم والملوك، ج٦، ص٣٩-٧٥. 
٢. ابن كثير، البداية والنهاية، ج٨، ص٢٨٦-٢٩٠.
٣. المسعودي، مروج الذهب، ج٣، ص٩٨-١٠٤. 
٤. الطبرسي، الاحتجاج، ج٢، ص٣٥؛ ابن طاووس، اللهوف على قتلى الطفوف، ص١٥٥. 

✦ كتابات في الميزان ✦

يردّ النص على شبهة تأخّر عقوبة قتلة الإمام الحسين (عليه السلام)، موضحًا أن الإمهال الإلهي لا يعني الرضا عن الجريمة أو الغفلة عنها، بل ينسجم مع سنن الابتلاء والاختيار. ويبيّن أن عددًا من المشاركين في واقعة الطف نالوا عقابهم الدنيوي، فضلًا عن سقوط الحكم السفياني وبقاء العار التاريخي ملازمًا للقتلة. ويخلص إلى أن انتصار الحق لا يُقاس بسرعة العقوبة، بل بخلود الرسالة وبقاء الحسين رمزًا للكرامة والعدل.

الحسين_عاشوراء.png



التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!