من الشبهات التي يطرحها بعض الباحثين أن الإمام الحسين (عليه السلام) كان يستطيع أن يغيّر ميزان القوى لو استعان بالقبائل العربية المنتشرة في العراق والجزيرة، أو طلب منها الإمدادات العسكرية، فلماذا لم يفعل ذلك؟ وهل كان امتناعه عن طلب النصرة سببًا في استشهاده واستشهاد أصحابه؟
وتقوم هذه الشبهة على تصور أن الإمام الحسين (عليه السلام) كان يقود حركةً عسكريةً هدفها تحقيق النصر الميداني بأي وسيلة، بينما تكشف المصادر التاريخية أن نهضته كانت مشروعًا إصلاحيًا قائمًا على الوعي والاختيار، لا على جمع أكبر عدد ممكن من المقاتلين.
إن أول ما ينبغي بيانه أن الإمام الحسين (عليه السلام) لم يكن يرفض طلب النصرة من حيث المبدأ، فقد كتب إلى أهل الكوفة بعد أن وصلته آلاف الرسائل منهم، وأرسل إليهم ابن عمه مسلم بن عقيل ليتحقق من صدق دعوتهم، فلما بايعه الناس كتب مسلم إلى الإمام يدعوه للقدوم(١).
وهذا يدل على أن الإمام لم يكن يعمل بمعزل عن الأمة، وإنما كان يسعى إلى إقامة الحجة عليها، والاستجابة لدعوة من أعلن استعداده لنصرته.
لكن بعد استشهاد مسلم بن عقيل، تغيّر الواقع السياسي؛ إذ فرض عبيد الله بن زياد رقابةً شديدة على الطرق، ونشر الجيوش في المناطق المحيطة بالكوفة، ومنع الناس من الالتحاق بالإمام، حتى أصبحت الحركة بين المدن والقبائل خاضعةً للمراقبة العسكرية(٢).
ومن الناحية التاريخية، فإن الإمام الحسين (عليه السلام) لم يُهمل القبائل العربية، بل التقى في طريقه بعددٍ من زعمائها، ودعاهم إلى نصرته، ومن أشهرهم عبيد الله بن الحر الجعفي، الذي اعتذر عن عدم المشاركة، فعرض على الإمام فرسه وسلاحه، لكن الإمام رفض ذلك، وقال:
(ما كنتُ متخذَ المضلين عضدًا) (١)
كما التقى الإمام بزهير بن القين، الذي كان مترددًا في البداية، ثم استجاب لدعوة الإمام، والتحق به حتى استشهد بين يديه(٣).
وهذه الوقائع تدل على أن الإمام كان يدعو الناس إلى نصرته، لكن كثيرًا منهم خذلوا الحق خوفًا أو طمعًا.
ثم إن النهضات الإصلاحية لا تُقاس بكثرة العدد، وإنما بنوعية الموقف. ولو كان الإمام يريد مجرد تكثير الجيش، لقبل كل من عرض عليه القتال مهما كانت دوافعه، لكنه كان يريد رجالًا يؤمنون بالقضية، لا مقاتلين يبحثون عن الغنيمة أو الشهرة.
ولهذا قال لأصحابه ليلة عاشوراء:
(إني لا أعلم أصحابًا أوفى ولا خيرًا من أصحابي) (٢)
فقد كان معيار الإمام هو الإيمان بالرسالة، لا كثرة الأتباع.
ومن الشواهد التاريخية أيضًا أن بعض القبائل أرادت نصرة الإمام بعد وقوع المأساة، لكنها وصلت بعد انتهاء المعركة، كما أن ثورة التوابين بعد ذلك كانت تعبيرًا عن ندم القبائل التي لم تتمكن من نصرته في الوقت المناسب٤.
وهذا يكشف أن المشكلة لم تكن في تقصير الإمام في طلب النصرة، وإنما في الظروف الأمنية القاسية التي فرضها الحكم الأموي، وفي تردد كثير من الناس عن أداء واجبهم.
كما أن الإمام الحسين (عليه السلام) لم يجعل النصر العسكري هو المعيار الوحيد لنجاح نهضته، بل كان يسعى إلى إحياء ضمير الأمة. ولذلك قال:
(ألا ترون أن الحق لا يُعمل به، وأن الباطل لا يُتناهى عنه؟ فليرغب المؤمن في لقاء الله محقًا).(٣)
فهذا النص يبين أن القضية كانت قضية موقفٍ ومبدأ، لا مجرد حسابات عسكرية.
ولو افترضنا أن الإمام جمع عشرات الآلاف من المقاتلين، ثم انتصر عسكريًا، لبقي السؤال قائمًا: هل تغيرت القيم التي خرج من أجلها؟ إن الإمام أراد قبل كل شيء أن يوقظ الأمة من غفلتها، وقد تحقق ذلك من خلال تضحيته وثباته، حتى أصبحت كربلاء نقطة تحول في التاريخ الإسلامي.
وعليه، فإن الإمام الحسين (عليه السلام) لم يُهمل طلب النصرة، بل دعا إليها، واستجاب لدعوة أهل الكوفة، والتقى بعدد من زعماء القبائل، غير أن الإرهاب الأموي، وخذلان الناس، وحصار الطرق، حال دون وصول الأنصار إليه. ومن ثم فإن تحميل الإمام مسؤولية قلة الناصر يخالف الوقائع التاريخية، لأن التقصير كان من الأمة التي لم تستجب لندائه، لا من الإمام الذي أدى ما عليه من إقامة الحجة والدعوة إلى الإصلاح.
الهوامش
١. البلاذري، أنساب الأشراف، ج٣، ص١٥٢-١٦٧.
٢. ابن الأثير، الكامل في التاريخ، ج٤، ص٥٤-٥٩.
٣. الشيخ المفيد، الإرشاد، ج٢، ص٦٧-٦٩؛ الخوارزمي، مقتل الحسين، ج١، ص٢١٥-٢١٨.
٤. المسعودي، مروج الذهب، ج٣، ص٨٥-٩٢.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!