كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

حِكَمٌ تربويةٌ حسنيةٌ في بناء الشخصية

 روي عن الإمام الحسن "عليه السلام": ((بينكم وبين الموعظة حجاب العزة)). [تحف العقول ص١٦٨]
     إنَّ بناء الشخصية الإنسانية له أسباب متعددة، ويختلف من شخصية إلى أخرى، ولكنها عمومًا تشترك في حقيقة معينة مفادها أنَّ الإنسان بذاته لا يمكنه الوصول إلى المنهج القويم الذي يحافظ على فطرته، ويقوم بتنميتها والارتقاء بها من دون أنْ يُفاد من الآخرين.
والمقصود بالإفادة من الآخرين هو التلاقح المعرفي والتجريبي الذي يمرُّ به الإنسان والأمم والحضارات، ولو رجعنا إلى كثير مما ورد في القرآن الكريم من بيان أحوال الأمم السالفة لرأينا حقيقة ذلك، فضلًا عن أحكامه المختلفة الموجَّهة للمسلمين، وما ورد كذلك في السنة الشريفة.
و(الموعظة) بين الناس عامة، والمؤمنين خاصة هي إحدى تلك السبل لتلاقح المعرفة والتجارب بينهم، وهذا الحديث عن الإمام الحسن "عليه السلام" إنما هو ترجمة لآيات القرآن الكريم في بناء الإنسان والمجتمع الصالح، القائم على المحبة والخير والإحسان، حيث قال تعالى في بيان الموعظة وآثارها في المنهج التربوي الإصلاحي القويم: ((ادْعُ إِلى‏ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)) [النحل: ١٢٥]، وقال تعالى في بيان عظمة تعاليم الدين في هداية البشرية وصلاحها: ((يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ)) [يونس: ٥٧].
 ومما يمكن قراءته بإيجاز في هذه الحكمة العظيمة للإمام الحسن "عليه السلام"  :
١-  التأكيد على أهمية هذا المنهج التربوي في العلاقات بين المؤمنين القائمة على الموعظة، وضرورة أنْ تكون من الفضائل والصفات الحميدة التي تتحلى بها النفس، كما هو الحال في جميع الفضائل التي ينبغي للمؤمنين أنْ يكونوا عليها، وعملوا جاهدين للتخلق بها، وعدم التواني في الوصول إليها برغم المصاعب والمكارم التي تحيق بها أحيانًا في موارد، وغالبًا في موارد أخرى.

٢-  ضرورة أنْ يكون المؤمنون خاصة أهلًا للموعظة فيما بينهم بما فيه صلاحهم، وعدم الاعتراض عند الموعظة الصادقة، والغرور والاعتزاز بالنفس وإنْ كانت على غير صواب من جهة، وأنْ تكون الموعظة تامة شروطها من جهة ثانية، والنظر فيها إلى البناء الذاتي بين الإخوان على وفق القاعدة القرآنية في الإخوة الإيمانية من جهة ثالثة.

٣- أهمية مراقبة النفس خوف اعتزازها بنفسها فتكون تلك العزة والمِنعة سببًا وحجابًا مانعًا من موعظة الآخرين بما فيه صلاحهم وتربيتهم، ومانعًا من صدق الموعظة التامة كما يجب أنْ يكون المؤمن عليها، بل ومانعًا من قبولها غرورًا وتعاليًا، وفي ذلك تحذير من الإمام علي عليه لهذه الصفة المذمومة التي تكون عائقًا لفضيلة الموعظة.

 أخيرًا  .. 
 إنَّ في هذه الحكمة الحسنية المباركة دعوة للنفس أنْ تكون على استعداد لبناء الشخصية وتربيتها بعيدًا عن حب الذات والأنانية، وأنْ تكون على حذر من تسويلات الشيطان بعزة النفس وغرورها، وهذا يحتاج إلى معرفة ومراقبة وتوفيق .. والسلام 

خادم الثقلين 
السبت ١١ صفر ١٤٤٨هـ

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!