كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

شبهات وردود حول النهضة الحسينية / القسم الأول

الشبهة الأولى: كانت نهضة الإمام الحسين (عليه السلام) مشروعاً سياسياً غايته الوصول إلى السلطة وزمام الحكم. 
     تُعد هذه الشبهة من أكثر الشبهات تداولاً في الدراسات التاريخية ، إذ يُنظر إلى نهضة الإمام الحسين (عليه السلام) بوصفها محاولة سياسية للاستيلاء على الحكم بعد انتقال السلطة إلى يزيد بن معاوية، ويُفترض أن الإمام (عليه السلام) كان يسعى إلى تأسيس دولة بديلة مستنداً إلى ما وصله من رسائل أهل الكوفة، إلا أن مشروعه أخفق بسبب سوء تقدير الواقع السياسي والعسكري. وتبعاً لهذا التصور تُفهم كربلاء على أنها تجربة سياسية لم تحقق أهدافها، شأنها شأن كثير من الحركات التي عرفها التاريخ.
    وهذه القراءة وإن بدت للوهلة الأولى قراءة تاريخية محايدة، إلا أنها في الواقع تعاني من خلل منهجي عميق، فالباحث المنصف لا يبدأ بتحديد أهداف الحركة من عنده ثم يحاكمها على أساسها، وإنما يستخرج أهدافها من نصوصها التأسيسية وخطابات قادتها ومسارها العملي.
وعندما نعود إلى كلمات الإمام الحسين (عليه السلام) نفسه نجد أن أول ما يلفت النظر هو غياب أي خطاب يتحدث عن السلطة بوصفها هدفاً مستقلاً. فالإمام لم يتحدث عن حقه في الحكم بلغة الباحث عن الملك، ولم يقدّم مشروعه بوصفه مشروعاً للاستيلاء على الدولة، وإنما قدّمه بوصفه حركة إصلاحية تهدف إلى إنقاذ الأمة من الانحراف.
    ومن أهم النصوص المؤسسة للنهضة الحسينية وصيته لأخيه محمد بن الحنفية، إذ يقول فيها: (إني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر وأسير بسيرة جدي وأبي علي بن أبي طالب)(١).
    إن المتأمل في هذا النص يلاحظ أن الإمام الحسين (عليه السلام) قد حدد أهداف نهضته بنفسه، ولم يترك المجال للتخمينات اللاحقة. فهو يتحدث عن الإصلاح، وعن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعن إعادة الأمة إلى المسار الذي رسمه لها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولا يتحدث عن إقامة سلطة شخصية أو تحقيق مكسب سياسي. ومن الناحية المنهجية لا يجوز للباحث أن يهمل التصريح المباشر لصاحب المشروع ليستبدله بفرضيات خارجية.
    ومن هنا يبرز سؤال جوهري: لو كان الهدف الحقيقي للإمام الحسين (عليه السلام) هو الوصول إلى السلطة، فهل كانت الوسائل التي اتبعها منسجمة مع هذا الهدف؟
   إن الجواب بالنفي. فكل الحركات السياسية عبر التاريخ تسعى إلى تعظيم فرص النجاح العسكري والسياسي، وتعمل على توفير العدد والعدة والتحالفات والموارد اللازمة لتحقيق النصر. أما الإمام الحسين (عليه السلام) فقد كان يعلم أن موازين القوى تميل بصورة ساحقة إلى الدولة الأموية، وكان يدرك حجم التردد والانقسام داخل المجتمع الكوفي، كما كان يعلم أن كثيراً من الرسائل التي وصلته لا تعبر بالضرورة عن استعداد حقيقي للتضحية.
وقد نقلت المصادر التاريخية أن كبار الناصحين حذروه من أهل الكوفة، ومنهم عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وغيرهما(٢). ومع ذلك لم يتراجع عن مشروعه، لأن القضية لم تكن مرتبطة بحسابات الربح والخسارة السياسية، بل كانت مرتبطة بواجب شرعي وأخلاقي يفرض عليه اتخاذ موقف واضح من الانحراف القائم.
بل إن الإمام (عليه السلام) أعلن منذ وقت مبكر استعداده للشهادة، فقال وهو يغادر مكة: ( خُطَّ الْمَوْتُ عَلَى وُلْدِ آدَمَ مَخَطَّ الْقِلَادَةِ عَلَى جِيدِ الْفَتَاةِ، وَ مَا أَوْلَهَنِي إِلَى‏ أَسْلَافِي اشْتِيَاقَ يَعْقُوبَ إِلَى يُوسُفَ، وَ خُيِّرَ لِي مَصْرَعٌ أَنَا لَاقِيهِ، كَأَنِّي بِأَوْصَالِي تَقَطَّعُهَا عُسْلَانُ الْفَلَوَاتِ‏ ، بَيْنَ النَّوَاوِيسِ وَ كَرْبَلَاءَ فَيَمْلَأَنَّ مِنِّي أَكْرَاشاً جُوفاً، وَ أَجْرِبَةً سُغْباً لَا مَحِيصَ عَنْ يَوْمٍ خُطَّ بِالْقَلَمِ، رِضَى اللَّهِ رِضَانَا أَهْلَ الْبَيْتِ، نَصْبِرُ عَلَى بَلَائِهِ وَ يُوَفِّينَا أُجُورَ الصَّابِرِينَ )(٣). وهذه العبارة لا يمكن تفسيرها في إطار مشروع سياسي تقليدي؛ لأن السياسي الذي يخطط للاستيلاء على السلطة يتحدث عن فرص النصر، أما الإمام الحسين (عليه السلام) فكان يتحدث عن الشهادة بوصفها احتمالاً حاضراً في وعيه منذ بداية المسير.
يضاف إلى ذلك أن خروج الإمام الحسين (عليه السلام) لم يكن استجابة لكتب أهل الكوفة ، وإلا لِمَ لم يرجع إلى المدينة بعدما بلغة مقتل مسلم بن عقيل (عليه السلام) ؟ خصوصا وأنه لم يلتقِ بجيش الحر الرياحي بعد. 
     ولعل الخطأ الأكبر في هذه الشبهة أنها تنظر إلى السلطة باعتبارها غاية في ذاتها، بينما كانت السلطة في فكر الإمام الحسين (عليه السلام) وسيلة لإقامة الحق. ولهذا لم يكن النزاع بينه وبين يزيد نزاعاً على من يحكم، بل على طبيعة الحكم نفسه. فالقضية لم تكن انتقال السلطة من شخص إلى آخر، وإنما كانت تتعلق بشرعية نظام سياسي أخذ يمثل انحرافاً خطيراً عن قيم الإسلام.
ولهذا قال الإمام الحسين (عليه السلام): (وعلى الإسلام السلام إذ قد بليت الأمة براعٍ مثل يزيد)(٤).
    إن هذه الكلمة تكشف بوضوح أن المشكلة الأساسية لم تكن شخصية، وإنما حضارية وعقدية. فالإمام لا يقول إن حقه السياسي قد سُلب، بل يقول إن الإسلام نفسه أصبح مهدداً. وعندما يصل الخطر إلى هذا المستوى فإن السكوت يتحول إلى مشاركة ضمنية في تكريس الانحراف.
ومن زاوية أخرى، فإن مراجعة النتائج التاريخية للنهضة تؤكد أن الإمام الحسين (عليه السلام) نجح في تحقيق الهدف الذي أعلنه منذ البداية. فالدولة الأموية استطاعت أن تنتصر عسكرياً في يوم عاشوراء، لكنها فشلت في كسب الشرعية الأخلاقية والدينية. وقد تحولت كربلاء إلى نقطة فاصلة في الوعي الإسلامي، وأصبح اسم الحسين (عليه السلام) رمزاً للحق والعدالة، في حين ارتبط اسم يزيد بالاستبداد والظلم. ولو كانت النهضة مجرد مشروع سياسي لفقدت تأثيرها بانتهاء المعركة، إلا أن استمرار حضورها عبر القرون يكشف أنها كانت مشروعاً رسالياً يتجاوز حدود الزمان والمكان.
وقد أشار الشهيد مرتضى مطهري إلى هذه الحقيقة عندما أكد أن الذين يفسرون عاشوراء تفسيراً سياسياً صرفاً يعجزون عن فهم سر خلودها، لأن الحركات السياسية ترتبط بظروفها التاريخية وتنتهي بانتهائها، أما النهضة الحسينية فقد بقيت حية لأنها انطلقت من قيم إنسانية ودينية تتجاوز حدود العصر الذي نشأت فيه(٥).
وعليه، فإن تصوير نهضة الإمام الحسين (عليه السلام) بوصفها مشروعاً سياسياً هدفه الوصول إلى السلطة لا ينسجم مع نصوص النهضة نفسها، ولا مع طبيعة الحركة، ولا مع مسارها العملي، ولا مع نتائجها التاريخية. والقراءة الأقرب إلى الموضوعية هي التي تفهم كربلاء بوصفها مشروعاً إصلاحياً رسالياً واجه انحراف السلطة دفاعاً عن هوية الإسلام، ولم يتعامل مع السلطة بوصفها غاية، بل بوصفها وسيلة لخدمة الحق وإقامة العدل.

الهوامش
(١) الطبري، تاريخ الأمم والملوك، ج٥، ص٤٠٢؛ الشيخ المفيد، الإرشاد، ج٢، ص٣٣.
(٢) نجم الدين الطبسي ، الركب الحسيني من المدينة إلى المدينة، ج٣، ص١٥٥-١٧٢.
(٣) الشيخ المفيد، الإرشاد، ج٢، ص٣٤؛ الشيخ عباس القمي، نفس المهموم، ص١٢٧.
(٤) ابن أعثم الكوفي، الفتوح، ج٥، ص١٧؛ الشيخ عبد الرزاق المقرم، مقتل الحسين، ص١٤٥.
(٥) مرتضى مطهري، الملحمة الحسينية، ج١، ص٥٣-٦٠

✦ كتابات في الميزان ✦

يفنّد المقال الشبهة القائلة إن نهضة الإمام الحسين (عليه السلام) كانت مشروعًا سياسيًا هدفه الوصول إلى السلطة، مستندًا إلى نصوص الإمام نفسه التي تؤكد أن غايته كانت الإصلاح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. كما يبين أن مسار النهضة، مع علم الإمام بما ينتظره من شهادة، يثبت أنها كانت رسالة دينية وأخلاقية للدفاع عن قيم الإسلام، لا منافسة على الحكم. ويخلص إلى أن خلود كربلاء عبر العصور دليل على أنها مشروع إصلاحي وإنساني تجاوز حدود الزمان والمكان.

عاشوراء.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!