المحور الثاني :صيحاتٌ حسينيةٌ في الأمرِ بالمعروفِ والنَّهي عن المنكرِ.
وهجُ كربلاء لم يبدأْ من يومِ العاشرِ بدأَ يوم خفتتِ الصيحاتُ...
فالحسينُ (عليه السلام)لم يخرجْ من المدينةِ يحملُ سيفاًفحسبُ،بل حملَ قضيةً ورسالةً سماويةً: أنْ يبقى الإسلامُ محمديَّ الوجودِ حسيني البقاءِ ،خرجَ بصيحتِهِ نحوَ الإصلاحِ والتغييِرِ من واقعِ الأمةِ الفاسدةِ الراضخةِ ليزيد واعوانه.
خرجَ وهو يُعلنُ مثلي لايبايعُ مثلهُ رفضَ بيعةَ الهوى ،والسكوتَ ،والذّلَ ليزيد الفاسقِ،
خرجَ وهو يصدحُ في مكة حين عزمَ الخروج إلى العراقِ :خُطَّ الموتُ على وُلدِ آدمَ مَخَطَّ القلادةِ على جيدِ الفتاةِ(١)
ودخلَ كربلاءَ وهو مازالَ يُنادي بأصحابِهِ بعد نزولِ جيشِ عمر بن سعد :ألَا تَرونَ أنَّ الحقَّ لايُعملُ بهِ وأنَّ الباطِلَ لايُتَنَاهَى عنه لِيَرغبَ المُؤْمنُ في لقاءِ اللهِ حقَّاً،فإنّي لاأرى الموتَ إلَّا سعادةً والحياةَ معَ الظَّالمِينَ إلَّابَرَما(٢).
فكانتْ صيحاتُهُ أمراً بالمعروفِ ونهيّاً عن المُنكرِ...
مشروعُ الحسينِ (عليه السلام) نحوَ الإصلاحِ له ركنان لاينفصلانِ: الأمر بالمعروفِ والنّهي عن المُنكرِ.
قال تعالى:وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (ال عمران:١٠٤)(٣)
والحسينُ (عليه السلام)قبلَ أنْ ينهى عن بيعةِ يزيدالظّالمِ أمرَ بالمعروفِ بالصّلاةِ والزّكاةِ والعدلِ وجميعِ نواحي الحياةِ الأُسريةِ والاجتماعيةِ والاقتصاديةِ...
قال تعالى:وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ أُولَٰئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ ۗإِنَّ اللهَ عَزِيزٌحَكِيمٌ{التوبة: ٧١}(٤)
فالامامُ الحسينُ( عليه السلام) يُنادي ويأمرُ بالمعروفِ وينهي عن المُنكرِ...
إذن،لنكُنْ نحنُ المعروفَ الذي يمشي في صدقِنا وعدلِنا وأمانتِنا ومساعدتِنا للنّاسِ في وقتِ الشّدةِ والبلاءِ، ولنصِلْ رحمَنا ونبرّ بوالدينا ونعطف على الفقراءِ والمساكينَ، ونصُن نساءَنا من الفسادِ والرذيلة ،وإذا رأينا منكراً في أيِّ مكانٍ فلنحاولْ أنْ نصلحَهُ ونُغيّرَ من وضعِهِ...
قال الإمام الباقر(عليه السلام):إنَّ الأمرَ بالمعرُوفِ والنَّهيَ عنِ المُنكَرِ سَبِيلُ الأنْبيَاءِ وَمِنهَاجُ الصُّلَحَاءِ(٥).
فبالأمرِ بالمعروفِ والنّهي عن المنُكرِ تُقامُ الفرائضُ، وتتحقّقُ مصالحُ الأمةِ.
فلْيكُنْ كلُّ واحدٍ منا أحدَ صيحاتِ الأمرِ بالمعروفِ والنّهي عن المُنكرِ في هذا الزمانِ، فما أشبه ما ينطبقُ على واقعنا اليوم الحديث القدسي في ليلةِ المعراجِ المتحدث عن احوالِ آخرِالزّمانِ، وظهورِ الصاحبِ الغائبِ (عليه السلام )حيث جاءَ فيه : في حديثٍ عن رسولِ الله ( صلى الله عليه وآله وسلّم ) ليلة المعراج ، قال الله تعالى : وأعطيْتُكَ أنْ أُخرجَ من صُلبهِ أحدَ عشرَ مَهدِيًّا،كُلُّهُمْ من ذُرِّيَّتِكَ مِنَ البِكْرِ البَتُولِ ، وآخِرُ رَجُلٍ مِنهُمْ يُصَلِّي خَلْفَهُ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ، يَمْلَأُ الأرْضَ عَدْلاً كَمَا مُلِئتْ ظُلْماًوجَوْرَاً،أُنْجِي بِهِ مِنَ الهلَكَةِ،وأَهْدِي بِهِ مِنَ الضّلالَةِ،وأُُبْرِئُ بِهِ من العمَى،وأشْفِي بِهِ المرِيضَ ، فقلتُ : إلهي وسيدي، مَتَى يكونُ ذَلِكَ؟ فأوحَى اللهُ جلّ وعزّ : يَكُونُ ذِلِكَ إذا رُفِعَ العِلمُ ،وظَهرَ الجَهلُ،وكَثُرَ القُرّاءُ،وقَلَّ العملُ، وكَثُرَ القَتْلُ، وقَلَّ الفُقَهَاءُالهادُونَ، وكَثُرَ فُقَهَاءُ الضَّلالَةِوالخَوَنَةِ،وكَثُرَ الشعراءُ ،واتّخذَت أمتُك قبورهُم مساجِدَ ، وحُلّيتِ المصَاحِفُ، وزخرفتِ المَساجِدُ ، وكثُرَ الجورُوالفسادُ ، وظهرَ المُنكرُ وأمرَ أمّتك به ونهوا عن المعروفِ ، واكتَفَى الرِّجالُ بالرِّجالِ ، والنّساءُ بالنّساءِ ، وصارتِ الأمراءُ كفرةً ، وأولياؤُهُم فجرةً، وأعوانُهُم ظلمةً، وذوي الرأيِّ منهم فسقةً).(٦)
وأيضا نستذكرُ أحاديثَ أهلِ بيتِ العصمةِ(سلام الله عليهم) عن مقارعةِ المنُكرِ،قال الرسول محمد (صلى الله عليه وآله وسلم): مَنْ رَأى مِنكُم مُنكَراً فلْيُنْكرْ بيدهِ إنِ اسْتَطَاعَ، فإنْ لمْ يَسْتطِعْ فَبِلِسَانِهِ،فإنْ لمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلبِهِ،فَحَسبُهُ أنْ يَعْلمَ اللهُ مِنْ قَلبِهِ أنّهُ لِذَلِكَ كَارِهٌ صدق رسول الله(٧)
فإنْ لم تستطعْ أنْ تغيرَهُ، فاكره المُنكرَبقلبكَ، ولا تُجالسْ أهلَ الباطلِ، فمقاطعتُهم موقفٌ وصيحةٌ حسينيةٌ،وألغِ متابعةَ حساباتِ الإنحلالِ في مواقعِ التّواصلِ،وخاطبْ الناسَ على قدرِ عقولِهم ،وتسلحْ بالحكمةِ كماتسلحَ بها الحسينُ (عليه السلام )وبالصيحةِ التي توقظُ الضميرَ ولاتجرحْهُ، فالحسينُ(عليه السلام) يومَ العاشرِ خاطبَ فطرةَ أعدائه وقالَ:ياشِيعةَ آلِ أبي سُفيَانَ، إنْ لمْ يكُنْ لكُمْ دِينٌ ،وكُنْتُم لا تَخَافُونَ المَعادَ فكُونُوا أحْرَاراً في دُنْيَاكُمْ هذِهِ،وارجِعُوا إلى أحْسَابِكُم ،إنْ كُنْتُم عَرَباً كما تَزْعُمُونَ(٨).
الصيحةُ الحسينيّةُ يجبُ أن توقظَ الضميرَ،ولا تجرحَ الكرامةَ، ففرقٌ بينَ أنْ تقولَ: لإنسانٍ فاسقٍ: أنتَ فاسقٌ ،وبينَ أنْ تقولَ لهُ:ياأخي، هذا الفعلُ لايليقُ بكَ...
لأنَّ القولَ الأولَ يغلقُ القلوبَ، والثاني يفتحُ الضمائرَ.
وكما دعتِ الشريعةُ الاسلاميةُ أنْ يكونَ التعاملُ بالحكمةِ والموعظةِالحسنة قال تعالى :
ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلمُ بِالمُهْتَدِينَ{النحل:١٢٥}(٩)
فتعاملُكَ مع النَّاسِ بالحُسنى هي من قواعدِ التَّعاملِ الراقيّ والأساليبِ المعتمدةِ في الإصلاحِ التي نادى بها الحسينُ (عليه السلام)...
وإذا أردْتَ أنْ تُوصلَ وهجَ كربلاء إلى الواقعِ فعليكَ أنْ تدفعَ الثمنَ ،قدْتُتهمُ بالتّشددِ، وقدْ تُخذلُ وتتركُ وحيداً، وقدْ تخسرُ أصدقائَك، وعملَك ومصالحَك معَ النَّاسِ فلاتتراجع ،ولا تقُلْ:خسرْتُ كلَّ شيءٍ...أخسرْ اصدقاءَ المُنكرِ لكن لاتخسرْ ضميرَك الحيّ؛ فهو الوهجُ الذي أرادَ أنْ ينقلهُ الحسينُ إلى أرضِ الواقعِ.
قال تعالى:لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ.... كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ(المائدة/٧٨-٧٩).(١٠)
فالساكتُ عن المُنكرِ شريكٌ معهُ فنزلتِ اللعنةُ على الساكتِ قبلَ الفاعلِ، والصمتُ خيانةٌ للحسينِ (عليه السلام)،فالحسينُ تركَ مدينةَ جدّهِ ، وتركَ البيتَ الحرامَ، وأهلَه ومالَه والأمانَ من أجلِ صيحةِ الحقِّ...
لقدْألقى الإمامُ الحسين( عليه السلام )في أحدِ المنازلِ خطاباً مزلزلا ومدوياًللنّاسِ، قالَ فيه: أيُّها الناسُ ،إنّ رسولَ الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: منْ رَأى سُلطاناً جائِراً مُسْتِحلّاً لحرمِ اللهِ ،ناكِثاً لعهدِ اللهِ، مُخالِفاًلسُنَّةِ رَسولِ اللهِ، يَعْملُ في عِبادِ اللهِ بِالإثمِ والعُدْوانِ، فلمْ يُغَيِّرْ عَليهِ بِفِعلٍ ولا قَوْلٍ كانَ حَقّاً على اللهِ أنْ يُدْخِلَهُ مُدْخَلَهُ.(١١)
فعلينا أنْ نقفَ بوجه الظَّالمِ مهما ارتفعتْ سطوتُهُ وألاخسرْنَاأنفسنا وبايعْنَا يزيدنا الداخلي ولمْ نتحررْ من الخوفِ وشاركْنَا الظّلمَ معه...
وعلينا أنْ لا نيأسَ، ونتذكرَ أنّ الحسينَ (عليه السلام )كانَ يعرفُ أنّ الكوفةَ خذلتهُ ،وأنّ الجيشَ ضدّهُ ،وأنّ الموتَ مُقبلٌ عليه ،لكنّه صاحَ والصيحةُ بحدِّ ذاتها انتصارٌ، فقتلَ اليأسَ بدمهِ الطاهرِ، لذلك فوهجُ كربلاء مازالَ حياً لن ينطفئَ في قلوبِناإلى يومنا هذا،
فكُنْ حُسينياًواصرخْ بوجهِ البَاطِلِ، وانتصرْ للحقِّ وكنْ صوتَ الحسينِ في زمانك؛ لأنّ الأمةَ اليومِ في سُباتٍ،
وأنّ مثلي لايبايعُ مثلهُ تحتاجُ منا ألف صيحةٍ وصيحةٍ كلّ يومٍ.
وتذكرْ صيحةَ الحسينِ( عليه السلام) يومَ العاشرِ :( ألَا وإنّ الدَّعيَّ ابْنَ الدَّعِيّ قدْ رَكزَ بَيْنَ اثْنَتَيْنِ: بَيْنَ السِّلةِ والذِّلةِ وَهَيْهَاتُ مِنَّا الذِّلَّةُ!)(١٢)
فالصّمتُ والسّكوتُ على المُنكرِ ذلةٌ، والصّيحاتُ لها عزةٌ وكرامةٌ حتى لو كانَ ثمنُها الدمَ،وتذكرْ سفيرَ الحسينِ مسلم بن عقيل (عليه السلام) في الكوفة صاحَ فقتلوه، وحبيب بن مظاهر( عليه السلام)صاحَ فمزقتهُ السّهام ، والحسينُ (عليه السلام )سيدُ الصائحينَ ضد الباطلِ، دفعَ رأسَه الشريفَ ثمناً لصيحاتِهِ الإصلاحيةِ.
ختاماً...من وهجِ كربلاء إلى صيحتِكَ الأولى الآن:
حددْ مُنكراً واحداً ساكتْ عليه فقاطعْهُ،
اخترْ لنفسِكَ صيحةً حسينيةً،كأن تكونَ نصيحةً، كلمةَ حقِّ لمظلومٍ ،موقفاً،مقاطعةَظلمٍ ،إنكاراً بالقلب.
من اليومِ اطلقْها ولاتخفْ ؛لأنَّ الحسينَ من أجلِها قُتِلَ، فهل سمعتَ نداءَهُ وصيحاتِهِ للأحرارِ؟
فماهي الصيحةُ التي حركتْ مشاعرك نحوَ قضيةِ الحسين في مشروعِ الإصلاحِ؟ فاطلقْ صيحتَك من اليوم، وتحررْ من العبوديةِ والظّلمِ والذّلِ؛ لتنالَ مانالهُ أصحابُ الحسينِ (عليه السلام)،
ولأنَّ وهجَ كربلاء لاينتقلُ بالبكاءِ فقط بل ينتقلُ بالصيحاتِ الحسينيةِ نحوَ الإصلاحِ.
مصادر المحور الثاني
١-بحار الأنوار للمجلسي/ج44ص366
٢-بحار الأنوار للمجلسي/ج44ص381
٣-القران كريم(آل عمران:104)
٤-القرآن الكريم(التوبة:71)
٥-منهاج الصالحين/ج1ص449
٦- كمال الدين وتمام النعمة للشيخ الصدوق/ ص 251ب23ح1
٧-وسائل الشيعة للعاملي/ج16ص135
٧-بحار الانوارللمجلسي/ج45ص51
٩-القرآن الكريم (النحل:125)
١٠-القرآن الكريم(المائدة:78-79)
١١-الكامل في التاريخ لابن الأثير/ج3ص159
١٢-اللهوف في قتلى الطفوف لابن طاووس/ص59
✦ كتابات في الميزان ✦
يتناول المقال نهضة الإمام الحسين (عليه السلام) بوصفها مشروعًا إصلاحيًا متكاملًا، يقوم على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باعتبارهما أساس بناء المجتمع وحماية القيم. ويؤكد أن الصيحة الحسينية ليست مجرد موقف تاريخي، بل دعوة متجددة لمواجهة الظلم والفساد بالحكمة والكلمة الصادقة والموقف المسؤول. ويخلص إلى أن استلهام كربلاء يكون بتحويل مبادئها إلى سلوك عملي يسهم في إصلاح الفرد والمجتمع.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!