-زينب..ماذا تعني؟
-الإرِثُ العظِيمُ لإصحابِ الكساءِ،حيثُ
ورِثتْ عن جدِّها النّبيّ مُحمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) وأبيها أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام) أسمى معاني القيم السّامية منها: رباطةُ الجأشِ ،والجرأة في قولِ الحقِّ في مواجهةِ الظّالمين، وخطبتها في مجلسِ الطاغيةِ يزيد خيرُ دليلٍ على ذلك ،البلاغة والفصاحة فكانتْ خطبها وكلماتها ككلماتِ أبيها في جزالةِ اللفظِ و قوةِ المعنى وحسنِ البيان، وكانتْ عالمةً غيرَ مُعلمةٍ حيث ورِثتْ منهما الحكمةَ والفهمَ العميق للقرآن وعلوم الدين ،والصّبرالعظيم على تحمُّلِ المصائب والنّوائب دونَ أنْ تنكسرَأو تضعفَ.
عندَ أقسى منعطفاتِ الدّهر تجدُها شامخةًلا تُشبه إلا عليَّ ذلك السّاكن في باءِ البسملة،ولا تنحني إلا لله في صلاتِها التي لم تتركْها في أقسى الظروف.
وأيضاً ورثتْ منهما الإخلاص المُطلق لقضايا الحقِّ والعدلِ والتّضحيةِ في سبيلِ المبادئ ،ومن أخيها (الحُسين) الشّجاعة والتّضحية ،ومن( الحسن) الصّبر والكرم ، ومن( العباس) الغيرة والوفاء (صلوات ربي عليهم جميعاً).
فنحنُ مهما نكتُبَ عنها حتّى لتجزعَ الحُروف،وتتجرّدَ من ثيابِ صبرِها، فجميعُ حروفها تحملُ القوةَ والصّبرَ...
زايُ زينب..زينةٌ لأبيها بعفتها وبصبرِها، وتحمّلُ المسؤولية المُلقاة عليها في قابلِ الأيام.
زينةٌ لأُمّها..فكانتْ بحقٍّ فخر المخدرات الخفرات صانتْ عباءةَ الزهراء (عليها السلام) إرثها العظيم في أحلكِ الظروف.
زينةٌ لأخيها..يوم وقفتْ على جسدٍ مُقطعٍ بالسّيوف، وبعدها حملتِ القضيةَ فأحيتها بكلمةٍ كسرتْ فيهاهيبة الطّغيان...
زينةٌ لدِين جدّها مُحمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)يوم صارتْ هي المنبر بعدما أسكتوا المنابرَ،
واللسان الذي فضحَ الظّلم ،والصّرخة التي أيقظتِ الأُمّة.
فهي لم تحملْ سيفاً، بل حملتْ حقّاً ،ولم تبكِ في مجلسِ يزيدِ اللعين، بل أبكتْ عرشه عندما قالتْ له:(فَكِدْ كيدَك واسعَ سعيَك...) فعلمتنا-أنَّ المظلومَ إذا نطقَ ،انتصر.
وقفوا بوجهها بكلِّ سيوفِ الدُّنيا فوقفتْ بكلِّ صبرِ السَّماء،حينما سألها ابن زياد شامتاًكيفَ رأيْتِ صُنعَ الله بأخيكِ وأهل بيتكِ؟
فأجابتهُ:مارأيْتُ إلّا جميلاً
فكسرتِ الذّل، وصارتْ هي العزُّ.
فعلمتنا- أنَّ الصبرَ حين ينطقُ يصبحُ إنتصاراً.
اخرسوها في كربلاءَ، فنطقتْ في الشَّام، وأرادوا دفنَ القضيةِ، فدفنتْ عروشَهم بكلماتِها،
وبهذا حَفِظتْ دينَ جدها (مُحمّد صلى الله عليه وآله وسلم ).
وياءُ زينب..يُنادي:بالحقِّ في قصورِ البَاطِل،ولا أحدَ يجرؤُ أنْ يُسكّتَهُ،
فهوصوتٌ خرجَ من خيمةٍ محترقةٍ ورحلَ إلى قصرِ اللعين.
يُنادي:(ألّا لعنةُ اللهِ على الظّالمينَ)،فارتجفَ صوتُ يزيد، وسكتَ صوتُ الطُّغيان...
يُثبت:حين مالتِ الدُّنيا كلُّها عليها،وقفتْ بينَ النّساءِ والأطفالِ والعليلِ والسّياطِ،فصارتْ هي (الجبلُ) وهم( الوَتَد).
يأبى الذّل ،ويأبى النِّسيان...
يُحيي قضيةً ماتتْ في نظرِ الطُّغاةِ حينما قالت: (مارأيْتُ إلّا جميلاً)لكنها لم تمُتْ عندها،
فأحيتِ الدمَ ،وفضحتِ القاتلَ،
فصارتِ(الياءُ) هي النّداءُ الذي لاينتهي، والإثباتُ الّذي لايُكسر ،والإباءُ الّذي لايُشترى...
ونونُ زينب..نصفُها انحناء، وليس ذلاً ،انحناء على جرحِ الأُمّةِ التي شايعتْ وبايعتْ وتابعتْ على قتلهِم جميعاً.
نونُ اسمها يحملُ جُرحاً غائراً في
انحنائهِ بكلِّ دمعةِ يتيم ْ،وصرخةِ عطشان، وبُكاءِ النّساءِ الفاقدات ،وبما شاهده من ويلاتٍ تُدمى لها الجفون.
نون من(نحنُ صبرنا)فصارتْ أخيراً (نحنُ بقينا).
وباءُ زينب..بدايتُها بوابة أولى لكربلاءَ الشّجنِ
رأتْ فيها أجساداً مقطعةً، ودماءً،وحرقَ خيامٍ ،وصراخَ أطفالٍ وكثرةَ المِحن..
ونهايةُ باءها...
بدايةُ طريقِ الشّام، بدايةُ خطبةٍ هزتْ عروش الظّالمين،
وبدايةُ عهدٍ جديدٍ اسمه فَواللهِ لاتمحُو ذِكْرَنا، ولا تُميت وحيَنا...
أخذوها للشّام أسيرة، فصارتْ هي الأميرة،
واسمها الّذي كسرَ هيبةَ القصورِ،صارَ صرخةً بوجه الظّلمِ تثور،
فإذا نطقه السّبايا،ارتجفَ الطُّغاة،
وإذا كتبه المُحبّونَ،بكتْ وانحنتْ لهُ الأقلام...
فالسلامُ على منْ جعلتْ سبيَّها نصراً،والسلامُ على منْ صيّرتْ القيدَ تاجاً...
السلامُ عليها يومَ وُلِدتْ، ويومَ سُبِيتْ، ويومَ قالتْ كلمتها فخلّدها التأريخ.
✦ كتابات في الميزان✦
يبني النص صورته عن السيدة زينب (عليها السلام) من حروف اسمها، فيجعل كل حرف له دلالة على جراح الأمة وبداية حفظ القضية. ويعرضها امتداداً لبلاغة أمير المؤمنين وصبر الزهراء وشجاعة الحسين ووفاء العباس (عليهم السلام). وتبلغ الفكرة ذروتها حين تتحول السيدة زينب (عليها السلام) إلى صاحبة الكلمة الأقوى، فتحفظ دم كربلاء من النسيان وتجعل الخطبة انتصاراً على سلطة السيف.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!