من الشبهات التي تُثار حول النهضة الحسينية القول إن الإمام الحسين (عليه السلام) كان يستطيع أن يحافظ على وحدة المسلمين لو قبل بالبيعة ليزيد، وأن خروجه أدى إلى انقسام الأمة وإشعال الفتنة وسفك الدماء. وبناءً على ذلك يُقال: أليس حفظ وحدة المسلمين أولى من الدخول في مواجهة سياسية انتهت إلى واقعة كربلاء؟
هذه الشبهة تبدو للوهلة الأولى قائمة على مبدأ صحيح، وهو أهمية وحدة الأمة، لكنها تخلط بين الوحدة القائمة على الحق والعدل وبين الوحدة التي تقوم على الخضوع للظلم والاستبداد.
الوحدة في الإسلام ليست وحدةً على حساب الحق
لم يجعل الإسلام وحدة المسلمين قائمة على السكوت عن الظلم، وإنما جعل أساسها الاعتصام بالحق، قال تعالى:
﴿واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا﴾.
فالاعتصام الذي دعا إليه القرآن هو الاعتصام بحبل الله، وليس الالتفاف حول شخص الحاكم مهما كان موقفه.
كما أن القرآن الكريم لم يعتبر الاختلاف مع الظالمين تفريقًا مذمومًا، بل جعل مقاومة الظلم مسؤوليةً شرعية، قال تعالى:
﴿ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار﴾.
فلا يمكن أن تكون المحافظة على وحدة الأمة ذريعةً لتثبيت الظلم أو منح الشرعية لمن يمارسه.
هل كان الإمام الحسين (عليه السلام) هو الذي بدأ الانقسام؟
تاريخيًا، لم يكن الإمام الحسين (عليه السلام) هو الذي أحدث الانقسام السياسي في الأمة؛ فالانقسام حول مسألة الخلافة كان قائمًا قبل نهضته، كما أن انتقال الحكم من الخلافة إلى الملك الوراثي أثار اعتراضات واسعة.
أما الإمام فكان أمام مطالبة مباشرة بالبيعة ليزيد، وقد رفضها لأن البيعة في نظره تعني إضفاء الشرعية على نظام حكم لم يره منسجمًا مع قيم الإسلام.
وقد عبّر عن موقفه بوضوح:
(ومثلي لا يبايع مثله) (١)
فالإمام لم يقل: سأقسم الأمة لأجل الوصول إلى الحكم، وإنما قال عمليًا إن وحدة الأمة لا يمكن أن تُبنى على الاعتراف بحاكم يرى أنه غير صالح لقيادتها.
الإمام الحسين (عليه السلام) أعلن أن هدفه الإصلاح
من أقوى الأدلة على أن النهضة لم تكن مشروعًا لإحداث الفتنة، كلام الإمام نفسه، فقد قال:
(إني لم أخرج أشِرًا ولا بطرًا، ولا مفسدًا ولا ظالمًا، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر) (٢)
فالإمام يصرح بأن غايته الإصلاح، والإصلاح لا يعني بالضرورة المحافظة على الوضع القائم، وإنما قد يتطلب مواجهة الخلل الذي أصاب المجتمع.
ولو كان الإمام يريد إشعال الفتنة، لكان منطق خطابه قائمًا على التحريض والانتقام، بينما نجد في مواقفه المتكررة أنه كان يذكّر خصومه بالله ورسوله، ويطلب منهم مراجعة موقفهم، ويعرض عليهم حلولًا تمنع القتال.
من الذي رفض الحلول السلمية؟
من المهم في قراءة كربلاء ألا نبدأ من لحظة القتال فقط، بل ننظر إلى المراحل التي سبقتها.
فالإمام الحسين (عليه السلام) لم يبدأ الحرب، وعندما حاصرته قوات الحر ثم جيش عمر بن سعد، عرض خيارات متعددة للخروج من الأزمة، لكن السلطة أصرت في النهاية على إخضاعه.
وتذكر المصادر التاريخية أن الإمام عرض الرجوع أو الذهاب إلى مكان آخر، إلا أن عبيد الله بن زياد لم يقبل إلا أن ينزل الإمام على حكمه (٣).
وهنا يتضح أن الإمام لم يكن متمسكًا بالقتال لمجرد القتال، وإنما كان يرفض الإذعان الذي يسقط مبدأه.
هل كانت البيعة ليزيد ستحقق وحدة الأمة؟
هذا الافتراض يحتاج إلى دليل تاريخي.
فالأحداث التي وقعت بعد كربلاء، ومنها واقعة الحرة وثورة عبد الله بن الزبير وحصار مكة، تثبت أن قبول الإمام بالبيعة لم يكن سيضمن استقرار الأمة بالضرورة، لأن أسباب الاضطراب كانت مرتبطة بطبيعة النظام السياسي والصراع على الشرعية، لا بموقف الإمام الحسين (عليه السلام) وحده (٤).
بل إن التاريخ يكشف أن الدولة الأموية دخلت بعد كربلاء في سلسلة من الاضطرابات والثورات، مما يدل على أن المشكلة كانت أعمق من مجرد اعتراض رجل واحد.
الإمام لم يطلب من المسلمين أن يقتتلوا
ومن الأدلة المهمة أن الإمام الحسين (عليه السلام) لم يطلب من عامة المسلمين أن يحملوا السلاح لمجرد مبايعته.
بل إن أصحابه أنفسهم كانوا قلة، وقد أعطاهم ليلة عاشوراء حرية الانصراف، فقال:
(وهذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملًا، وليأخذ كل رجل منكم بيد رجل من أهل بيتي، وتفرقوا في سواد هذا الليل) (٥)
وهذا يكشف أن الإمام لم يكن يريد جرّ الناس إلى معركة قسرية، وإنما كان مستعدًا لتحمل مسؤولية موقفه بنفسه.
الوحدة الحقيقية لا تعني إلغاء المعارضة
فلو جعلنا مجرد الاختلاف مع السلطة سببًا في وصف الإنسان بأنه مفرّق للجماعة، لأصبح كل إصلاح سياسي أو ديني تمردًا مذمومًا.
لكن المجتمعات تحتاج إلى أصواتٍ ناقدة تكشف الخلل، وإلا تحول الاستقرار إلى جمود، والوحدة إلى خضوع.
ولهذا فإن موقف الإمام الحسين (عليه السلام) يمكن فهمه باعتباره دفاعًا عن الوحدة الأخلاقية للأمة؛ أي وحدة تقوم على العدالة والشورى والقيم الإسلامية، لا وحدة شكلية تحت سلطة لا تخضع للنقد.
النتيجة: الإمام حافظ على جوهر الوحدة ولم يهدمها
إن الإمام الحسين (عليه السلام) لم يكن ضد وحدة المسلمين، بل كان ضد أن تتحول الوحدة إلى وسيلة لإسكات الحق.
وقد قال:
(ألا ترون أن الحق لا يُعمل به، وأن الباطل لا يُتناهى عنه، فليرغب المؤمن في لقاء الله محقًا) (٦)
فإذا كان الحق لا يُعمل به والباطل لا يُتناهى عنه، فإن السكوت بحجة الوحدة قد يؤدي في النهاية إلى انهيار القيم التي تقوم عليها الوحدة نفسها.
وعليه، فإن تحميل الإمام الحسين (عليه السلام) مسؤولية زعزعة وحدة المسلمين قلبٌ للمعادلة التاريخية؛ لأنه لم يبدأ القتال، ولم يفرض الحرب على الأمة، ولم يدعُ إلى سفك الدماء، وإنما رفض بيعة يزيد، وأعلن هدفه الإصلاحي، وحاول الوصول إلى حل سلمي، ثم ثبت على موقفه عندما فُرض عليه الخضوع.
إن كربلاء لم تكن صراعًا بين الإمام الحسين (عليه السلام) وبين وحدة المسلمين، وإنما كانت مواجهة بين مفهومين للوحدة: وحدةٍ تقوم على الحق والعدل، ووحدةٍ يراد لها أن تقوم على الطاعة المطلقة للسلطة. وقد اختار الإمام أن يحافظ على الأولى ولو دفع ثمنها حياته.
الهوامش
(١) الشيخ المفيد، الإرشاد، ج٢، ص٣٣؛ الطبرسي، الاحتجاج، ج٢، ص٢٤.
(٢) المجلسي، بحار الأنوار، ج٤٤، ص٣٢٩.
(٣) الطبري، تاريخ الأمم والملوك، ج٥، ص٤١١-٤١٧.
(٤) ابن الأثير، الكامل في التاريخ، ج٤، ص١١٨.
(٥) الشيخ المفيد، الإرشاد، ج٢، ص٩١.
(٦)الخوارزمي، مقتل الحسين، ج١، ص٢٣١.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!