كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

شبهات وردود حول النهضة الحسينية / القسم الثالث والعشرون : لماذا لم ينهض كبار الصحابة والتابعين مع الإمام الحسين (عليه السلام) ؟

    من الشبهات التي تُثار حول النهضة الحسينية أن عددًا من كبار الصحابة والتابعين كانوا أحياءً عند خروج الإمام الحسين (عليه السلام)، ومع ذلك لم يشاركوا في نهضته، ولم يخرجوا معه إلى كربلاء. فإذا كانت نهضته واجبًا شرعيًا، فلماذا لم يسانده هؤلاء؟ وهل يدل موقفهم على أن الخروج لم يكن مشروعًا؟
     هذه الشبهة تبدو قوية في ظاهرها، لكنها تقوم على افتراض أن عدم مشاركة شخصٍ في حدثٍ معين يعني بالضرورة رفضه لمبدأ ذلك الحدث، وهذا استنتاج لا يصح تاريخيًا ولا منطقيًا.
اختلاف المواقف لا يعني اختلاف الحكم
لم يكن جميع الصحابة والتابعين في موقف واحد من السلطة الأموية، كما لم يكن جميعهم قادرين على اتخاذ موقف عسكري. فقد اختلفت تقديراتهم السياسية، وبعضهم حاول منع الإمام الحسين (عليه السلام) من الخروج خوفًا عليه، لا لأنه كان يرى يزيد أهلًا للخلافة.
     ومن أبرز من حاول نصح الإمام بالعدول عن الذهاب إلى العراق: عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر ومحمد بن الحنفية، وقد نقلت المصادر التاريخية نصائحهم للإمام ومخاوفهم من غدر أهل الكوفة (١).
لكن من المهم التفريق بين النصيحة السياسية وبين الحكم على شرعية موقف الإمام.
      فقد يرى الإنسان أن طريقًا معينًا شديد الخطورة، فينصح صاحبه بعدم سلوكه، دون أن يكون معترضًا على الهدف الذي يسعى إليه.
الإمام الحسين (عليه السلام) كان أعلم بظروفه ومسؤوليته
كان الإمام الحسين (عليه السلام) يدرك المخاطر المحيطة به، ولم يكن غافلًا عنها.
وعندما كان بعض من حوله ينصحه بالبقاء في مكة أو الرجوع إلى المدينة، كان الإمام يبين أن القضية ليست مجرد بحث عن مكان آمن، وإنما تتعلق بموقفه من البيعة ليزيد.
وقد قال:
(ومثلي لا يبايع مثله) (٢)
فالموقف بالنسبة للإمام لم يكن مجرد حسابات سياسية، وإنما مسألة مبدئية تتعلق بشرعية الحكم.
لماذا لم يخرج هؤلاء معه إذن؟
هناك أسباب تاريخية متعددة، ولا يصح اختزالها في سبب واحد.
فبعض الشخصيات كانت ترى أن المواجهة العسكرية ستؤدي إلى سفك الدماء دون تحقيق النتيجة المطلوبة، وبعضها لم يكن يمتلك قدرةً عسكرية أو اجتماعية تمكنه من التحرك، وبعضهم اتخذ موقفًا سياسيًا مختلفًا، كما أن سرعة الأحداث وقوة القمع الذي مارسته السلطة حالت دون التحاق كثير من الناس بالإمام.
وقد أظهر ما حدث في الكوفة أن السلطة لم تكتفِ بمنع الناس من نصرة الإمام، بل استخدمت الترهيب والتهديد والاعتقال، حتى تفرق الناس عن مسلم بن عقيل بعد أن كانوا مجتمعين حوله (٣).
فإذا كان هذا قد حدث في الكوفة نفسها، فمن باب أولى أن يكون التحرك من الحجاز أو غيره محفوفًا بالمخاطر.
هل كان سكوت بعض الصحابة دليلًا على شرعية يزيد؟
الجواب: لا.
فالسكوت لا يساوي البيعة، والامتناع عن القتال لا يساوي الاعتراف بشرعية الحاكم.
وهذه قاعدة مهمة في قراءة التاريخ؛ إذ إن الإنسان قد يرفض سياسة معينة، لكنه لا يرى أن الوسيلة المناسبة لمواجهتها هي الحرب المسلحة.
ومن هنا، فإن عدم خروج بعض الشخصيات مع الإمام لا يعني أنها كانت ترى يزيد إمامًا عادلًا أو أن قتاله للإمام كان مشروعًا.
بل إن المصادر التاريخية تنقل اعتراضات واضحة من شخصيات إسلامية على تولية يزيد، وعلى ما وقع في عهده من أحداث (٤).
موقف الإمام الحسين (عليه السلام) لم يكن قائمًا على كثرة الأنصار
من الملاحظ أن الإمام الحسين (عليه السلام) لم يجعل صحة موقفه متوقفة على عدد المؤيدين.
وقد خاطب أصحابه ليلة عاشوراء وأعطاهم الحرية في الانصراف، وقال:
(وهذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملًا، وليأخذ كل رجل منكم بيد رجل من أهل بيتي، وتفرقوا في سواد هذا الليل) (٥)
فإذا كان الإمام لا يُلزم حتى أصحابه بالبقاء معه، فمن الطبيعي ألا يجعل موقفه متوقفًا على إلزام الآخرين بالانضمام إليه.
وكان معيار الإمام هو إقامة الحجة وأداء المسؤولية، لا جمع أكبر عدد من الأشخاص.
ماذا لو اتبع الإمام رأي الجميع؟
لو كان الإمام الحسين (عليه السلام) قد جعل موقفه تابعًا لرأي الأكثرية، لكان معنى ذلك أن الحق يتحدد بعدد المؤيدين له.
وهذا لا ينسجم مع المنطق القرآني؛ فالقرآن الكريم يقول:
﴿وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله﴾.
فالحق لا يُعرف بالكثرة وحدها، كما أن الباطل لا يصبح حقًا إذا كثرت أتباعه.
وهذا لا يعني أن كل من خالف الإمام كان على باطل في كل تقديراته السياسية، وإنما يعني أن المعيار ليس عدد المؤيدين.
موقف الإمام نفسه يحسم الإشكال
عندما نعود إلى كلام الإمام الحسين (عليه السلام)، نجد أنه لم يقدم نفسه بوصفه قائد تمرد شخصي، بل أعلن:
(إني لم أخرج أشِرًا ولا بطرًا، ولا مفسدًا ولا ظالمًا، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي) (٦)
ومن هنا ينبغي أن يكون السؤال الصحيح:
ليس: كم شخصًا خرج مع الإمام؟
بل: هل كان موقفه منسجمًا مع مبادئ الإسلام في رفض الظلم والانحراف؟
فقد يختلف الناس في تقدير الوسيلة، لكن ذلك لا يحول موقف الإمام إلى موقف باطل.
وعليه، فإن عدم مشاركة بعض كبار الصحابة والتابعين في النهضة الحسينية لا يمثل دليلًا على عدم مشروعيتها؛ لأن مواقفهم كانت متعددة، وبعضها كان نابعًا من الخوف على الإمام أو من اختلاف في تقدير الوسيلة، لا من تأييد يزيد. كما أن الظروف السياسية والأمنية التي فرضتها السلطة الأموية جعلت التحرك في غاية الصعوبة.
والأهم من ذلك أن الإمام الحسين (عليه السلام) لم يجعل الحق تابعًا لكثرة الأنصار، بل أدى ما رآه واجبًا عليه، وأقام الحجة، ومضى في طريقه، فكانت كربلاء نتيجةً لموقف مبدئي لم يكن عدد المشاركين فيه هو معيار صحته.
الهوامش
(١) الطبري، تاريخ الأمم والملوك، ج٥، ص٣٤٠-٣٤٧. 
(٢) الشيخ المفيد، الإرشاد، ج٢، ص٣٣؛ الطبرسي، الاحتجاج، ج٢، ص٢٤.
(٣) الطبري، تاريخ الأمم والملوك، ج٥، ص٣٧٠-٣٨٧. 
(٤)  ابن كثير، البداية والنهاية، ج٨، ص٢٢٩-٢٣١.
(٥) الشيخ المفيد، الإرشاد، ج٢، ص٩١-٩٢. 
(٦) المجلسي، بحار الأنوار، ج٤٤، ص٣٢٩.

اصحاب_الحسين.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!