يطرح بعض المشككين هذا التساؤل: إذا كان الإمام الحسين (عليه السلام) إمامًا منصوصًا عليه من الله تعالى، ويحظى بمنزلةٍ عظيمة عند الله، فلماذا لم يُجرِ الله على يديه معجزةً تنقذه من القتل، كما نجّى بعض أنبيائه من أعدائهم؟ ويذهب بعضهم إلى أن عدم وقوع معجزةٍ تنهي المعركة دليلٌ على أن نهضته كانت حركةً بشرية لا تأييد إلهي لها.
وهذه الشبهة تنطلق من تصورٍ غير صحيح لمعنى المعجزة ودورها في الرسالات الإلهية، كما تغفل السنن التي أجراها الله تعالى في حياة الأنبياء والأوصياء.
إن أول ما ينبغي بيانه أن المعجزة ليست وسيلةً لحماية الأنبياء والأولياء من كل خطر، وإنما هي دليلٌ على صدق الرسالة عند الحاجة إليها. ولهذا نجد أن كثيرًا من الأنبياء تعرضوا للأذى، بل قُتل بعضهم، مع أنهم كانوا مؤيدين من الله تعالى، قال سبحانه:
﴿ويقتلون النبيين بغير الحق﴾.
فلو كانت المعجزة تقتضي نجاة كل نبي أو وصي من القتل، لما استشهد أولئك الأنبياء الذين أخبر القرآن عن قتلهم.
فإن الله تعالى جعل الحياة الدنيا دار ابتلاء، وأجرى شؤونها وفق سننٍ ثابتة، ولم يجعل المعجزات قانونًا دائمًا يعطل الأسباب الطبيعية كلما تعرض أهل الحق للخطر، وإلا لفقد الامتحان الإلهي معناه، ولأصبح الإيمان قائمًا على مشاهدة الخوارق لا على الاقتناع بالحق.
ولهذا قال تعالى:
﴿ولن تجد لسنة الله تبديلًا﴾.
ومن الناحية التاريخية، فإن الإمام الحسين (عليه السلام) لم يكن يريد أن يفرض نفسه على الناس بقوة الإعجاز، وإنما أراد أن يقيم الحجة عليهم بالحوار والبيان. ولذلك خاطب جيش عمر بن سعد مرارًا، وذكّرهم برسول الله (صلى الله عليه وآله)، وبمكانته منهم، وسألهم:
(أما تعلمون أني ابن بنت نبيكم) (١)
ولو كان هدف الإمام إظهار المعجزة، لما احتاج إلى كل هذه الخطب والاحتجاجات.
كما أن القرآن الكريم يبين أن المعجزات نفسها لم تكن سببًا في إيمان المعاندين، فقد رأى قوم موسى (عليه السلام) الآيات الباهرة ثم عبدوا العجل، ورأى قوم عيسى (عليه السلام) إحياء الموتى، ومع ذلك كفر كثير منهم.
إذن فالمشكلة ليست في غياب المعجزة، وإنما في إرادة الإنسان.
بل إن أعظم معجزةٍ في كربلاء كانت الثبات على المبدأ؛ إذ وقف الإمام الحسين (عليه السلام) مع قلةٍ من أصحابه أمام آلاف المقاتلين، ولم يتنازل عن دينه أو كرامته، وقال:
(ألا وإن الدعي ابن الدعي قد ركز بين اثنتين: بين السلة والذلة، وهيهات منا الذلة.) (٢)
إن هذا الثبات، مع اليقين بالشهادة، صنع أثرًا في الأمة لم تكن لتصنعه معجزةٌ تنتهي بانتهاء زمانها.
وقد أعلن الإمام أيضًا حقيقة هدفه بقوله:
(إني لم أخرج أشِرًا ولا بطرًا، ولا مفسدًا ولا ظالمًا، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي) (٣)
ولو أن الله تعالى أنقذه بمعجزةٍ خارقة، لما ظهر صدق تضحياته، ولربما قال الناس إنه انتصر بقوةٍ خارقة لا يستطيع غيره الاقتداء بها، بينما أراد الله أن يكون الإمام قدوةً في الصبر والثبات والجهاد.
ومن الشواهد التاريخية أن الأئمة من أهل البيت (عليهم السلام) لم يتعاملوا مع الإمامة على أنها وسيلةٌ لتعطيل قوانين الكون، بل كانوا يعيشون حياة البشر، ويحتجون بالحجة، ويصبرون على البلاء، كما فعل أمير المؤمنين (عليه السلام)، والإمام الحسن (عليه السلام)، وسائر الأئمة الذين تعرضوا للقتل أو السجن أو السم، ولم يطلبوا النجاة بالمعجزات (٤).
إن الحكمة الإلهية اقتضت أن تبقى عاشوراء حدثًا إنسانيًا واقعيًا، تُجسد فيه قيم التضحية والإيمان، لا مشهدًا خارقًا يُلغي مسؤولية الإنسان في اختيار الحق.
وعليه، فإن عدم إظهار الإمام الحسين (عليه السلام) معجزةً تنقذه من القتل لا يدل على ضعف موقفه أو عدم تأييده من الله تعالى، بل ينسجم مع السنن الإلهية في حياة الأنبياء والأوصياء، الذين كانت رسالتهم تقوم على إقامة الحجة، لا على إكراه الناس بالخوارق. وقد كان أعظم انتصار للإمام الحسين (عليه السلام) أن رسالته بقيت خالدة، بينما زالت قوة خصومه، ليبقى الثبات على الحق أعظم معجزةٍ صنعتها كربلاء في وجدان الأمة.
الهوامش
(١) الشيخ المفيد، الإرشاد، ج٢، ص٩٨.
(٢) الخوارزمي، مقتل الحسين، ج٢، ص٧.
(٣) المجلسي، بحار الأنوار، ج٤٤، ص٣٢٩.
(٤) الشيخ الصدوق، كمال الدين وتمام النعمة، ج١، ص٢٤١.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!