كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

شبهات وردود حول النهضة الحسينية / القسم التاسع عشر : لماذا لم يقبل الإمام الحسين (عليه السلام) أن يُؤسر بدلًا من أن يُقاتل حتى استُشهد ؟

     يذهب بعض المشككين إلى أن الإمام الحسين (عليه السلام) كان يستطيع أن يحافظ على حياته لو سلّم نفسه لجيش عمر بن سعد، أو قبل أن يُؤخذ أسيرًا إلى يزيد، بدلًا من خوض معركة انتهت باستشهاده واستشهاد أصحابه. ويُقال إن الحفاظ على الحياة كان سيتيح له مواصلة الإصلاح بوسائل أخرى، أما القتال فقد أدى إلى خسارة حياته.
     وتقوم هذه الشبهة على تصورٍ غير دقيق للوقائع التاريخية؛ إذ تفترض أن السلطة الأموية كانت تريد اعتقال الإمام فقط، بينما تثبت المصادر أن الهدف الحقيقي كان انتزاع البيعة منه وإخضاعه لسلطان يزيد، ولم يكن مجرد الأسر غايةً بحد ذاته.
     فقد كتب يزيد إلى والي المدينة يأمره بأخذ البيعة من الإمام الحسين (عليه السلام)، فإن امتنع فليُضرب عنقه (١). وهذا يدل على أن القضية منذ بدايتها لم تكن قضية اعتقال أو إقامة جبرية، وإنما كانت قضية اعتراف بشرعية الحكم الأموي.
     وعندما وصل الإمام إلى كربلاء، لم يُغلق باب الحلول السلمية، بل عرض على القوم أكثر من خيار؛ أن يرجع إلى المكان الذي جاء منه، أو أن يذهب إلى أحد ثغور المسلمين، أو أن يلتقي بيزيد مباشرةً، لكن عبيد الله بن زياد رفض جميع تلك المقترحات، وأصر على أن ينزل الإمام على حكمه ويبايع يزيد (٢).
      إذن فالمطلوب من الإمام لم يكن الاستسلام بوصفه أسيرًا، وإنما الاستسلام السياسي والعقائدي. فإن الإنسان قد يقبل الأسر إذا كان ذلك لا يترتب عليه التنازل عن مبادئه، أما إذا كان الأسر وسيلةً لإجباره على الاعتراف بالباطل، فإن قبوله يتحول إلى إقرارٍ بذلك الباطل.
     ولهذا أعلن الإمام الحسين (عليه السلام) موقفه بوضوح فقال:
(ألا وإن الدعي ابن الدعي قد ركز بين اثنتين: بين السلة والذلة، وهيهات منا الذلة، يأبى الله لنا ذلك ورسوله والمؤمنون).(٣)
فالإمام لم يرفض الأسر لذاته، وإنما رفض الذلة التي كانت تعني الخضوع لحكمٍ رآه مخالفًا للإسلام.
     ومن الشواهد التاريخية أن الإمام الحسين (عليه السلام) لم يبدأ القتال، بل بقي حتى اللحظات الأخيرة يدعو القوم إلى مراجعة أنفسهم، ويذكّرهم برسول الله (صلى الله عليه وآله)، ويقيم عليهم الحجة، ولم يأذن لأصحابه بالقتال إلا بعد أن بدأ جيش عمر بن سعد بإطلاق السهام، وقال عمر بن سعد: (اشهدوا لي عند الأمير أني أول من رمى).(٤)
وهذا يكشف أن الإمام لم يكن طالب حرب، وإنما دافع عن نفسه وعن رسالته بعد أن فُرض عليه القتال. كما أن التاريخ أثبت أن السلطة الأموية لم تكن تلتزم بالعهود مع معارضيها، فقد قُتل مسلم بن عقيل بعد أن أُعطي الأمان، وقُتل هانئ بن عروة، وتكررت صور الغدر في سياسة عبيد الله بن زياد، مما يجعل الاعتقاد بأن الإمام كان سيُترك حيًا لو استسلم اعتقادًا لا تؤيده الوقائع التاريخية (٥).
     ثم إن الإمام الحسين (عليه السلام) كان ينظر إلى القضية بمنظار الرسالة، لا بمنظار السلامة الشخصية، ولذلك قال:
(إني لم أخرج أشِرًا ولا بطرًا، ولا مفسدًا ولا ظالمًا، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي).(٦)
فلو قبل الاستسلام الذي يضفي الشرعية على حكم يزيد، لضاعت الغاية التي خرج من أجلها، ولأصبح موقفه اعترافًا عمليًا بذلك الحكم.
     إن النهضة الحسينية لم تكن مشروعًا للمحافظة على الحياة بأي ثمن، وإنما كانت مشروعًا للمحافظة على الإسلام ولو كان الثمن حياة الإمام نفسه. ولهذا بقيت كربلاء مدرسةً تعلم الأجيال أن الكرامة والمبدأ قد يفرضان على الإنسان التضحية، وأن الحياة لا تكون قيمةً إذا قامت على التنازل عن الحق.
وعليه، فإن الادعاء بأن الإمام الحسين (عليه السلام) كان يستطيع تجنب استشهاده بقبول الأسر لا ينسجم مع الوقائع التاريخية؛ لأن السلطة لم تكن تريد أسره مجردًا، بل كانت تريد إخضاعه وإضفاء الشرعية على حكم يزيد. ولذلك كان رفض الإمام للاستسلام حفاظًا على الرسالة، لا إصرارًا على القتال، وكانت شهادته هي التي أسقطت الشرعية الأخلاقية للدولة الأموية، وحفظت للإسلام هويته الأصيلة.
الهوامش
(١) الشيخ المفيد، الإرشاد، ج٢، ص٣٣.
(٢) البلاذري، أنساب الأشراف، ج٣، ص١٨٦-١٨٨. 
(٣) الشيخ المفيد، الإرشاد، ج٢، ص٩٩؛ الخوارزمي، مقتل الحسين، ج٢، ص٧.
(٤) ابن الأثير، الكامل في التاريخ، ج٤، ص٦٩.
(٥) الطبري، تاريخ الأمم والملوك، ج٥، ص٣٨٧. 
(٦) المجلسي، بحار الأنوار، ج٤٤، ص٣٢٩.

الحسين.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!