كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

شبهات وردود حول النهضة الحسينية / القسم الثامن عشر : هل كان الإمام الحسين (عليه السلام) مسؤولًا عن مقتل أصحابه لأنه اصطحبهم معه إلى كربلاء ؟

     يثير بعض المشككين هذه الشبهة بقولهم: إن الإمام الحسين (عليه السلام) كان يعلم بخطورة الطريق، ومع ذلك خرج معه عددٌ من أصحابه وأهل بيته حتى استشهدوا جميعًا، فهل يتحمل الإمام مسؤولية تعريضهم للموت؟ ولو كان قد منعهم من مرافقته، أما كانوا قد نجوا بحياتهم؟
وتقوم هذه الشبهة على تصورٍ خاطئ لطبيعة العلاقة بين الإمام وأصحابه، إذ تفترض أنهم كانوا أتباعًا لا يملكون حرية الاختيار، بينما تثبت المصادر التاريخية أنهم كانوا رجالًا أحرارًا اختاروا نصرة الإمام عن وعيٍ وإيمان، ولم يُكرههم على البقاء معه في أي مرحلة من مراحل النهضة.
    فمنذ أن بلغ الإمام الحسين (عليه السلام) خبر استشهاد مسلم بن عقيل وتغير الأوضاع في الكوفة، جمع من كان معه، وأخبرهم بالحقيقة كاملة، ثم قال لهم إن من أحب الرجوع فليرجع، فانصرف عددٌ ممن كانوا قد التحقوا به في الطريق، ولم يمنعهم الإمام من ذلك (١).
ولما كانت ليلة عاشوراء، كرر الإمام الموقف نفسه، فقال لأصحابه:
(إني لا أعلم أصحابًا أوفى ولا خيرًا من أصحابي... وهذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملًا، وليأخذ كل رجلٍ منكم بيد رجلٍ من أهل بيتي، وتفرقوا في سواد هذا الليل، فإن القوم إنما يطلبونني.) (٢)
وهذا النص التاريخي يُعد من أوضح الأدلة على أن الإمام رفع عن أصحابه كل التزام، وأعطاهم الحرية الكاملة في الانصراف، ولم يطلب منهم البقاء معه.
       وإن المسؤولية الأخلاقية لا تثبت إلا مع الإكراه أو الخداع، أما إذا كان الإنسان بالغًا، عاقلًا، عالمًا بالنتائج، ثم اختار موقفه بإرادته، فإنه يتحمل مسؤوليته بنفسه.
ولهذا أجاب أصحاب الإمام بكلمات خالدة، منها قول مسلم بن عوسجة:
(أنخلي عنك؟! وبماذا نعتذر إلى الله في أداء حقك؟! والله لا أفارقك حتى أكسر في صدورهم رمحي، وأضربهم بسيفي.) (٣)
وقال زهير بن القين:
(والله لوددت أني أُقتل ثم أُحيا، ثم أُقتل، ثم أُحيا ألف مرة، وأن الله يدفع بذلك القتل عنك وعن أهل بيتك.) (٤)
وهذه الكلمات تدل على أن البقاء مع الإمام كان قرارًا واعيًا، لا نتيجة ضغط أو إلزام.
       ومن الشواهد التاريخية أن بعض الأشخاص الذين رافقوا الإمام في بداية الطريق انفصلوا عنه عندما أدركوا خطورة الموقف، ولم يعترض عليهم الإمام، مما يؤكد أن أبواب الانسحاب بقيت مفتوحة حتى الساعات الأخيرة قبل القتال (٥).
كما أن الإمام لم يكن يعد أصحابه بالنصر الدنيوي أو بالغنائم، بل أخبرهم بما ينتظرهم، ومع ذلك ثبتوا معه، لأنهم رأوا أن الدفاع عن الحق أولى من المحافظة على الحياة.
وقد قال الإمام الحسين (عليه السلام):
(ألا ترون أن الحق لا يُعمل به، وأن الباطل لا يُتناهى عنه؟ فليرغب المؤمن في لقاء الله محقًا).(٦)
فكان أصحابه يدركون أنهم أمام تكليفٍ شرعي، لا أمام مغامرةٍ عسكرية.
بل إن التاريخ الإسلامي يزخر بمواقف مشابهة، فقد خرج أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله) معه في بدر وأحد والخندق وهم يعلمون احتمال الاستشهاد، ولم يقل أحد إن النبي كان مسؤولًا عن استشهادهم؛ لأنهم شاركوا عن اختيار وإيمان.
وكذلك كان أصحاب الإمام الحسين (عليه السلام)، فقد رأوا أن نصرة إمام زمانهم واجبٌ شرعي، واختاروا الشهادة بإرادتهم الحرة.
وعليه، فإن الادعاء بأن الإمام الحسين (عليه السلام) مسؤولٌ عن استشهاد أصحابه يخالف الوقائع التاريخية والعقلية؛ لأنه منحهم حرية الانصراف أكثر من مرة، وأخبرهم بحقيقة الموقف، ولم يُخفِ عنهم شيئًا. أما بقاؤهم معه، فقد كان اختيارًا نابعًا من إيمانهم بعدالة قضيته، ولذلك استحقوا أن يكونوا من أعظم نماذج الوفاء في التاريخ الإسلامي.
الهوامش
(١) الشيخ المفيد، الإرشاد، ج٢، ص٦٣-٦٥. 
(٢) الشيخ المفيد، الإرشاد، ج٢، ص٩١-٩٢ . السيد ابن طاووس، اللهوف على قتلى الطفوف، ص١٠٩. 
(٣) الخوارزمي، مقتل الحسين، ج٢، ص١٠-١١. المجلسي، بحار الأنوار، ج٤٤، ص٣٩٢.
(٤) الشيخ المفيد، الإرشاد، ج٢، ص٩٢؛ ابن طاووس، اللهوف على قتلى الطفوف، ص١١٠.
(٥) الطبري، تاريخ الأمم والملوك، ج٥، ص٣٩٩-٤٠١. 
(٦) الشيخ المفيد، الإرشاد، ج٢، ص٧٨؛ الخوارزمي، مقتل الحسين، ج١، ص٢٣١

عاشوراء.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!