كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

النصر الإلهي في النهضة الحسينية

 قال تعالى: ((إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ)) [غافر: ٥١]
        إنَّ الحديث عن النصر الإلهي في النهضة الحسينية من أهم الأحاديث الإسلامية العظيمة التي لا بد من دراستها وبيانها؛ لخلود القرآن والنهضة في الأمة، ومن المهم معرفة أسباب ذلك الخلود وآثاره.
       إنَّ القرآن الكريم يتحدث عن وعد إلهي محتوم بنصره إلى جهتين عظيمتين تنتسب إليه (الرسل + المؤمنون) أي النصر لرسل الله تعالى وأنبياؤه الذين أرسلهم إلى أقوامهم (مبشرين ومنذرين) من أولهم النبي آدم إلى آخرهم النبي محمد "عليهما السلام"، وكذلك النصر للمؤمنين بالله تعالى، وهذا الوعد بـ(النصر الإلهي) جاء بصيغة التأكيد في أكثر من أداة تدل عليه، وفيه بيان لعظمة هذا الوعد من جهة، وحتمية القيام به من جهة أخرى.
 سؤال : عندما نتابع سيرة الأنبياء في القرآن الكريم هل نرى تحقق هذا النصر الموعود على طواغيت عصورهم والكافرين والمشركين؟  
وللإجابة على ذلك لا بد من التامل والتفكر في مصطلح (النصر) ما المراد به؟وما هي دلالاته؟ وآثاره؟
فيمكن القول في قراءة أولية قابلة للقبول والرد والنقاش :
-أولًا: إنَّ كلمة (النصر) كما ورد في معاجم اللغة تعني حسن المعونة، وإتيان الخير وإيتاءه، والانتقام من الظالم، وليس المراد المعنى المتبادر إلى الذهن هو النصر العسكري الذي يحصل في المواجهة بين جهتين في أرض المعركة فحسب، وإلا لو كان الأمر كذلك لكانت هناك مخالفة حيث لم تكن تلك المواجهة المادية في القتال بين جميع الأنبياء وأقوامهم.

-ثانيًا: يمكن أنْ يفهم (النصر الإلهي) هو التسديد والمعونة الإلهية بإظهار حجة الأنبياء في دعوتهم إلى الله تعالى والغلبة على أعدائهم بخلود تلك الدعوة، ومبادىء الحق التي دعا بها الأنبياء وصدَّق بها المؤمنون، ولو رجعنا إلى تاريخ المواجهة بين الأنبياء وأعدائهم لرأينا بكل وضوح معالم ذلك النصر الإلهي، والغلبة العظيمة للأنبياء، ومصاديق صدق وعد الله تعالى وخلوده على مرِّ التاريخ، فمثلًا :
١-  ما هي نتيجة مواجهة النمرود وأعوانه لنبي الله إبراهيم "عليه السلام"؟ 
فهل استطاع النمرود القضاء على دعوة النبي إبراهيم؟ 
فلم يمكنه ذلك حيث نشر إبراهيم دين الحنيفية، وكل الناس تدَّعي أنَّ إبراهيم منها، وهي تنتمي إليه وإلى ديانته ((مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ)) [آل عمران: ٦٧]، بل بقي ذلك النصر خالدًا في ذكره حتى زمن خاتم الأنبياء فقال تعالى بعد نفي ما تقدم عنه: ((إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ)) [آل عمران: ٦٨]، وفي ذلك أعظم نصر إلهي، وتحقيق الوعد بالنصر!!

٢-  ما هي نتيجة مواجهة فرعون وأعوانه لنبي الله موسى "عليه السلام"؟ 
فهل استطاع فرعون الذي كان يدَّعي الربوبية العليا القضاء على دعوة النبي موس؟ 
واليوم أمة كبيرة بعد آلاف السنين تنتمي إليه، بل والمسلمون يؤمنون بدعوته، وفي ذلك أعظم نصر إلهي، وتحقيق الوعد بالنصر!!

٣-  ما هي نتيجة مواجهة أبي لهب وأبي سفيان والوليد وأعوانهم من كفار قريش ومشركيهم لنبي الله محمد "صلى الله عليه وآله وسلم"؟
فهل استطاعوا القضاء عليه وعلى دعوته، واليوم هذه المنائر ترفع اسمه عليها في الأذان والصلاة والقرآن؟
وفي ذلك أعظم نصر إلهي، وتحقيق الوعد بالنصر!! 

 *النهضة الحسينية والنصر الإلهي؟ 
       وعلى أساس ما تقدم من المفهوم الحقيقي للنصر الإلهي ودلالاته وأبعاده، فهل هناك أعظم من ذلك النصر الإلهي للإمام الحسين "عليه السلام" وأصحابه في النهضة الحسينية المقدسة، وهل هناك أعظم من هذا الفتح العظيم، فمن معالم ذلك النصر الإلهي - الحسيني:
١-  الخلود العظيم لسيد الشهداء في صفحات التاريخ الإنساني الإسلامي المُشْرِق بالقيم والمبادىء والإنسانية، والخزي والهوان واللعن ليزيد وابن زياد وأعوانهما.

٢-  ذلك القبر الشريف الذي يتربَّع على أرض الطف التي سقط عليها سيد الشهداء فكَّرمها بالدماء الزكية: لتكون قبلة لزائرين من شرق الأرض وغربها، آناء الليل وأطراف النهار، تصدح حناجر الزائرين وقلوبهم بلهج اسمه والصلاة عليه والسلام على روحه وجسده وأهل بيته واصحابه .. وأين قبر الطاغية يزيد بن معاوية وأعوانه.

٣-  ذلك الزحف المليوني التاريخي الأوحد الذي يهفو نحو قبر الإمام الحسين "عليه السلام" كُلَّ عام في يوم الأربعين في الاختفاء بالنصر الإلهي، وتجديد العهد، واستلهام البطولة والإباء في مقارعة الطغاة والظالمين، وتلك المظاهر البشرية التي أعجزت العقول في تفسيرها.

٤-  ذلك العطاء والغذاء المادي والمعنوي، بل الكرم الشيعي الحسيني في البذل لخدمة الزائرين وديمومة النهضة الحسينية الخالدة، والتآلف والتكاتف والمحبة الإنسانية العظيمة بين هذا السيل البشري الذي يجسِّد أروع الصور الإنسانية.

٥-  ذلك الخلود لشعارات الإمام الحسين "عليه السلام" أنَّ الموت في الله سعادة؛ ليكون أعظم قوة للمجاهدين والسائرين على درب الجهاد وتهيئتهم، برغم ذلك البُعد التاريخي عن هذا الشعار .. وشعار الإباء من الذلة والسلَّة وهيهات أنْ تكون له ذلك؛ ليكون شعلة إباء في نفوس المؤمنين على مر التاريخ، وتعلمهم معالم الإياء والوقوف بوجه الطغاة، برغم ذلك البُعد التاريخي عن هذا الشعار .. وشعار القتل لنا عادة وكرامتنا من الله الشهادة؛ ليكون غذاء روحيًّا لكل نفس أبيَّة في مدرسة الحسين في التضحية والفداء من أجل مقدساتها والدفاع عنها بأنفسها، برغم ذلك البُعد التاريخي عن هذا الشعار .. وشعار .. وشعار ..

 أخيرًا  .. 
 فهذا هو المعنى الحقيقي لوعد الله تعالى بالنصر لرسله وعباده في الدنيا .. وأما في الآخرة فله الأمر من قبل ومن بعد .. اللهم اجعلها خطوة مشي مع الزائرين نحو كربلاء الحسين .. والسلام

الاربعين.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!