كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

القيادة في النهضة الحسينية المقدسة -قراءة قرآنية- (٣)

  تحدثنا في الحلقتين السابقتين عن نقاط ثلاث من النقاط الخمس لمفهوم القيادة في النهضة الحسينية، ونحاول في هذه السطور الحديث عن نقطة أخرى بإيجاز  . 
٤- بناء قاعدة في الأمة. 
      إنَّ من ضروريات نجاح القائد في قيادة الأمة في أي باب من أبوابها هو العمل على التأسيس لقاعدة في الأمة مؤمنة بمنهجه، ومتأثرة بصدق دعوته وتخصصه، فالصفات الثلاث المتقدمة لها أثر كبير في نفوس الآخرين، والإيمان بالمنهج الإصلاحي والعمل من أجل نجاحه، وهذا يتوقف على مدى تفاعل القائد مع الأمة فيما تقدم لأجل تهيئتها لاستقبال ما يدعو إليه، والعمل معه من أجل نجاحه، بل إدامة تلك الرؤية وذلك المنهج بعد رحيله، وهذا ما أكده المنهج القرآني في بيان ما يتعلق بقائد الأمة وخاتم أنبيائها حيث قال تعالى في الإشارة إلى ضرورة بناء تلك القاعدة: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: ١٠٨]، فلم يجعل الأمر متعلقًا به (أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي) بل استطاع بعد جهاد واجتهاد صلاح الأمة وأنْ يجعل جيلًا مؤمنًا بذلك صادقًا في التضحية من أجل ذلك قال تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: ٢٣].
      وهذا ما رأيناه في ربيب القرآن وسبط النبي الإمام الحسين "عليه السلام" في بناء تلك القاعدة في الأمة من خلال تلك الثلة العظيمة التي آمنت بمنهجه ودعوته، وقدَّمت نفسها للشهادة من أجله، حيث دعاهم في الساعات الأخيرة من اقتراب الموت إليهم في ليلة عاشوراء بقوله: ((إني قد أذنت لكم فانطلقوا جميعًا في حِلٍّ من بيعتي، ليس عليكم مني حرج ولا ذمام، وهذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جَمَلًا، وليأخذ كُلُّ رجل منكم بيد رجل من أهل بيتي، وتفرَّقوا في سواد هذا الليل، وذروني وهؤلاء القوم، فإنهم لا يريدون غيري))، ولكن كان جوابهم التاريخي الخالدي الصادق بكلمات يقف التاريخ منحنيًا أمامها وقد صدَّقتها دماؤهم يوم عاشوراء، فقال أهل بيته بما يؤكد ثباتهم على المنهج والبيعة له: ((يا ابن رسول الله فما يقول لنا الناس وماذا نقول لهم؟ نقول إنَّا تركنا شيخنا وكبيرنا وابن بنت نبيِّنا لم نرمِ معه بسهمٍ، ولم نطعن معه برمحٍ، ولم نضرب معه بسيف، لا والله يا ابن رسول الله لا نفارقك أبدًا، ولكن نقيك بأنفسنا حتى نقتل بين يديك، ونَرِدَ موردك، فقبَّح الله العيش بعدك))، وقال الأنصار فأحدهم يقول له: ((أنحنُ نخلِّي عنك!! أمَا واللهِ لا أفارقك حتى أطعن في صدورهم برمحي، وأضربهم بسيفي ما ثبت قائمه في يدي ..))، وقال آخر: ((واللهِ لا نفارقك، ولكن أنفسنا لك الفداء، نقيكَ بنحورنا وجباههنا وأيدينا، فإذا نحن قُتِلنا كُنَّا وفَيْنا وقضينا ما علينا)) وغيرها من لوحات الشرف والخلود والإباء.
     فكان نتيجة ثبات هذه الثلة من الأمة على المنهج والتضحية بأنفسهم شهادة الإمام الحسين "عليه السلام" عبر التاريخ قوله لهم: ((أما بعد: فإنِّي لا أعلم أصحابًا أَوْفَى ولا خيرًا من أصحابي، ولا أهل بيتٍ أبَرَّ ولا أَوْصَلَ ولا أفضل من أهل بيتي، فجزاكم الله جميعًا عنِّي خيرًا))، ثم كانت لهم تلك المنزلة حيث قبرهم مزار وأفئدة الملايين. 
 وقد كان نتيجة هذا البناء للأمة وإيمانها بمنهج قائدها : 
١-  بيان أهمية الأمة في نصرة الدين والدفاع عن مقدساته، وعدم الاستهانة بأي طبقة من طبقاته وأصنافه، وعلى القائد بيان منهجه للجميع، بأسلوب يوافق الجميع من دون ملل أو تراجع مهما كانت المعارضة في بداية الأمر.

٢-  إنَّ تنوُّع الأمة التي شاركت في النهضة الحسينية الخالدة (الشيوخ، والرجال، والشباب، والفتيان، والنساء، وألطفال) فيه دلالة على ضرورة مخاطبة جميع الأمة، وتهيئة جميع الأمة، والاستماع إلى جميع الأمة، وعدم العزوف عن أي جهة من هذه الجهات المباركة.

٣-  ضرورة بناء جيلٍ مؤمنٍ واعٍ من الصغار والشباب على بيان معالم المنهج الإسلامي وعظمته، وأهمية تحصين الأمة بعقائدها ومعارفها، وتهيئة السبل التي تدعوهم إلى التشجيع على التمسك والعمل .

٤-  التأكيد في المجالس والمحافل على تلك الثلة المؤمنة من الأمة في النهضة الحسينية الخالدة، وبيان ما يتعلق بسيرتها ومسيرتها وخاتمتها والخلود الذي هي عليه اليوم وهو (الفتح) الذي وعدهم به الإمام الحسين "عليه السلام" يوم خروجه، وما في ذلك من تشجيع للأمة بالارتباط مع قيادتها ومنهجه.

٥-  وتقع على العلماء والخطباء والعاملين في الأمة وخدمتهم تعريف الأمة أهميتهم ومقامهم ومنزلتهم في التغيير والإصلاح، وعظمة ارتباطهم بقياداتهم في زمن الغيبة المتمثلة بالمرجعية الدينية التي هي امتداد لذلك المنهج العظيم، وضرورة تحذيرهم من دعوات الأعداء للتفريق بينهم وبين مرجعيتهم، والتي تعني في الواقع ابتعاد الأمة عن قيادتها ومنهجها.

 (وللحديث تتمة  )

✦ كتابات في الميزان ✦

يبيّن المقال أن نجاح القيادة الإصلاحية لا يقتصر على صلاح القائد، بل يتطلب بناء قاعدة واعية تؤمن بالمنهج وتحمله في حياته وبعد رحيله. وقد جسّد أصحاب الإمام الحسين وأهل بيته (عليهم السلام) أسمى صور الوفاء والثبات، فتحولوا إلى نموذج خالد في التضحية ونصرة الحق. ويؤكد النص أهمية إعداد الأجيال وربط الأمة بقيادتها الدينية الواعية، مع مخاطبة جميع فئات المجتمع وإشراكها في مشروع الإصلاح.

الحسين.jpg




التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!