من أكثر الشبهات التي تُثار حول النهضة الحسينية القول: إذا كان الإمام الحسين (عليه السلام) يعلم مسبقًا أنه سيُقتل في كربلاء، فلماذا خرج؟ وهل يُعد الإقدام على طريقٍ يعلم صاحبه أنه يؤدي إلى القتل إلقاءً بالنفس إلى التهلكة؟
وتنشأ هذه الشبهة من الخلط بين العلم بالنتيجة والتكليف بالعمل، وبين الاستسلام للموت والقيام بالواجب الشرعي.
إن النصوص التاريخية والروائية تؤكد أن الإمام الحسين (عليه السلام) كان على علم بأن شهادته قريبة، وقد صرح بذلك في أكثر من موضع. ففي أثناء خروجه من مكة قال:
(خُطَّ الموتُ على ولد آدم مخطَّ القلادة على جيد الفتاة، وما أولهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف، وخُيِّر لي مصرعٌ أنا لاقيه...)(1).
وهذا النص لا يدل على أن الإمام كان طالبًا للموت، بل يدل على يقينه بأن الطريق الذي كلّفه الله به سينتهي إلى الشهادة، ومع ذلك لم يتراجع عن أداء مسؤوليته.
والعقل يحكم بأن العلم بالمخاطر لا يسقط الواجب. فالطبيب الذي يدخل منطقةً موبوءة لإنقاذ المرضى يعلم احتمال إصابته، ورجل الإطفاء الذي يدخل البناء المشتعل يعلم خطر الموت، والجندي الذي يدافع عن وطنه يعلم أنه قد يُقتل، ومع ذلك لا يُعد عمله انتحارًا، لأنه يؤدي واجبًا ساميًا. وكذلك كان الإمام الحسين (عليه السلام)، فقد خرج لأداء واجب الإصلاح، لا للبحث عن الموت.
ولو كان مجرد توقع القتل موجبًا لترك الواجب، لما جاز لأي نبي أو مصلح أن يواجه الطغاة، مع أن القرآن الكريم يذكر أن كثيرًا من الأنبياء قُتلوا بسبب قيامهم بواجبهم، ولم يكن ذلك مذمومًا، بل كان وسامًا على صدق رسالتهم.
ومن هنا فإن علم الإمام بالشهادة لا يعني أنه كان مخيرًا بين الحياة والموت ثم اختار الموت لذاته، وإنما يعني أنه اختار الحق مع علمه بما سيترتب عليه من تضحيات.
وقد أوضح الإمام الحسين (عليه السلام) حقيقة موقفه بقوله:
(ألا ترون أن الحق لا يُعمل به، وأن الباطل لا يُتناهى عنه؟ فليرغب المؤمن في لقاء الله محقًا، فإني لا أرى الموت إلا سعادة، والحياة مع الظالمين إلا برمًا).(2)
إن الإمام لم يقل إن الموت مطلوب لذاته، وإنما وصف الموت في سبيل الحق بأنه سعادة، لأن الحياة التي تُبنى على الذل وإقرار الظالم ليست حياةً كريمة.
ومن الناحية التاريخية، فإن الإمام الحسين (عليه السلام) لم يتجه مباشرة إلى كربلاء بقصد القتال، وإنما اتخذ جميع الوسائل الطبيعية التي تقتضيها الحكمة؛ فقد استجاب لرسائل أهل الكوفة الكثيرة، وأرسل ابن عمه مسلم بن عقيل ليتحقق من صدق دعوتهم(3)، ولم يبدأ القتال عندما التقى بجيش الحر، بل عرض عليهم العودة أو الذهاب إلى مكان آخر، كما حاول ليلة عاشوراء أن يجنب أصحابه القتل فأذن لهم بالانصراف(4).
ولو كان هدفه مجرد الشهادة لما قام بكل هذه الخطوات، ولما تفاوض مع القوم، ولما دعاهم مرارًا إلى الرجوع عن ظلمهم، ولما خاطبهم بالحجة والبرهان.
بل إن الإمام بقي حتى اللحظات الأخيرة يذكّرهم بمكانته من رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقال:
(أما بعد، فانسبوني فانظروا من أنا، ثم ارجعوا إلى أنفسكم فعاتبوها، هل يحل لكم قتلي وانتهاك حرمتي؟ ألست ابن بنت نبيكم؟)(5)
إن هذه الكلمات تكشف أن الإمام كان يريد منع وقوع الجريمة، لا استعجالها، ولذلك أقام عليهم الحجة الكاملة قبل أن تبدأ المعركة.
ومن جهة أخرى، فإن القرآن الكريم ينهى عن إلقاء النفس في التهلكة، لكن المقصود هو تعريض النفس للهلاك بلا غاية شرعية، أما التضحية في سبيل حفظ الدين والعدل فليست تهلكة، بل هي من أعظم صور الجهاد. ولهذا لم يفهم أحد من المسلمين أن خروج النبي (صلى الله عليه وآله) إلى بدر أو أحد أو حنين مع احتمال القتل كان مخالفةً للقرآن، لأن الفرق كبير بين الانتحار وبين التضحية الواعية من أجل المبدأ.
وقد لخّص الإمام الحسين (عليه السلام) فلسفة نهضته في وصيته المشهورة:
(إني لم أخرج أشِرًا ولا بطرًا، ولا مفسدًا ولا ظالمًا، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر.)(6)
فالغاية كانت الإصلاح، أما الشهادة فكانت الثمن الذي فرضه إصرار السلطة على قمع هذا الإصلاح.
لقد أثبتت الأيام أن شهادة الإمام الحسين (عليه السلام) لم تكن نهاية مشروعه، بل كانت بداية يقظةٍ في ضمير الأمة، إذ توالت الثورات على الحكم الأموي، وانهارت الصورة الدينية التي حاول يزيد أن يرسمها لنفسه. ولو لم ينهض الإمام، لربما استقر الانحراف باسم الإسلام، ولضاعت الحدود الفاصلة بين الدين والسلطة.
ومن هنا يتبين أن علم الإمام الحسين (عليه السلام) باستشهاده لا يقدح في نهضته، بل يكشف عظمة تضحيته؛ إذ اختار أداء التكليف الإلهي مع علمه بما ينتظره من ألم، ليبقى الدين حيًا في ضمير المسلمين، وليثبت أن المبادئ لا تُقاس بطول العمر، وإنما بصدق الموقف.
الهوامش
(1) الإرشاد، الشيخ المفيد، ج2، ص34؛ بحار الأنوار، ج44، ص366.
(2) الإرشاد، الشيخ المفيد، ج2، ص78؛ تاريخ الطبري، ج5، ص403.
(3) تاريخ الطبري، ج5، ص349–356؛ الإرشاد، ج2، ص38–45.
(4) الإرشاد، ج2، ص90–91؛ اللهوف على قتلى الطفوف، ص109–111.
(5) تاريخ الطبري، ج5، ص425؛ بحار الأنوار، ج45، ص6.
(6) الفتوح، أحمد بن أعثم الكوفي، ج5، ص21؛ بحار الأنوار، ج44، ص329
✦ كتابات في الميزان ✦
يعالج المقال إحدى أبرز الشبهات المثارة حول النهضة الحسينية، والمتعلقة بعلم الإمام الحسين (عليه السلام) باستشهاده قبل خروجه إلى كربلاء، مبينًا أن العلم بالنتيجة لا يسقط التكليف الشرعي ولا يمنع أداء الواجب. ويستعرض الكاتب الأدلة التاريخية والروائية التي تؤكد أن الإمام سلك جميع الوسائل المشروعة لتجنيب الأمة الفتنة وإقامة الحجة، وأن شهادته لم تكن غاية بحد ذاتها، بل كانت ثمناً للإصلاح ومواجهة الانحراف، لتبقى نهضته مدرسة خالدة في التضحية والالتزام بالمبدأ.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!