كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

عيونٌ تبحث عن وطن  


لم يكن الطريق طريقًا…
كان جرحًا ممتدًا، تسير عليه أقدامٌ صغيرة أنهكها الخوف.
أطفالٌ بلا ظلال،
بلا آباء،
بلا أمانٍ يشبه الأمس.
كانت عيونهم أكبر من أعمارهم،
تحمل أسئلةً لا جواب لها،
وتنادي في صمتٍ موجع:
أين الذين كانوا يحموننا من الريح؟
تعثّرت طفلةٌ بثوبها المحترق،
نظرت حولها تبحث عن يدٍ تمسكها،
لكن الأيدي كانت إمّا مقطوعة…
أو مقيّدة…
أو غائبة إلى الأبد.
بكت…
لا لأنها سقطت،
بل لأنها لم تجد من يقول لها: لا تخافي.
وفي زاوية الألم…
كان طفلٌ يحدّق في الأفق،
كأنه ينتظر فارسًا لن يأتي،
يهمس بصوتٍ مكسور:
أبي وعدني أن لا يتركني…
فلماذا تأخر؟
الريح تمرّ بينهم باردة،
كأنها تحمل بقايا أصواتٍ رحلت،
والرمال تحت أقدامهم تحفظ آثار من غابوا،
لكنها لا تعيدهم.
السلاسل كانت أقسى من أن تُحتمل،
تجرح المعاصم الصغيرة،
وتثقل الخطى،
لكنها لم تستطع أن تكسر شيئًا في الداخل…
شيئًا ظلّ واقفًا رغم الانكسار.
وفي القلب من هذا الشتات…
كانت زينب،
تمشي بينهم كأنها وطنٌ متنقّل،
تضمّ هذا، وتربّت على ذاك،
وتخفي دموعها كي لا تسقط هيبة الصبر.
كلما بكى طفل،
كانت تمسح على رأسه،
وتقول بصوتٍ يشبه الطمأنينة:
نحن لسنا وحدنا…
الله معنا.
لكن الليل كان طويلًا…
أطول من قدرة الصغار على الاحتمال،
وكانت النجوم شاهدة على وجعٍ لا يُحكى،
وعيونٍ لم تعرف النوم.
وفي كل خطوة…
كانت الرؤوس على الرماح تسبقهم،
تلوّح لهم بصمت،
كأنها تقول:
اصبروا…
فهذا الطريق وإن كان موجعًا…
فهو الطريق إلى الخلود.
ومضوا…
لا لأنهم يملكون خيارًا،
بل لأن الألم علّمهم كيف يمشون،
وكيف يكبر القلب قبل أوانه.

66.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!