كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

صباح بلا شروق    

 لم يكن صباحًا…
كان وجعًا تمدّد على أطراف الزمن،
يوماً أشرقت فيه الشمس خجلى، كأنها تخشى أن ترى ما حدث على تلك الأرض.
هنا… حيث سقط الإمام مرمّلًا بدمائه،
يحادث السماء بصمتٍ أثقل من الصراخ،
وجبينه على الثرى يكتب آخر سطور العشق الإلهي.
حولَه…
أجسادٌ طاهرة،
أصحابٌ وأهل بيتٍ افترشوا التراب،
كأن الأرض احتضنتهم لتخفي خجلها من قسوة ما جرى.
الأرض ارتوت دمًا…
والسماء، قيل إنها بكت دمًا،
وما بينهما كان الكون كله في حداد.
ركضت الطفولة مذعورة في البيداء،
خطوات صغيرة تتعثر بالخوف،
وأصوات متكسرة تنادي:
أين أبي؟
أين أخي؟
لا جواب…
سوى صدى النار وهي تلتهم الخيام،
ودخانٍ يتصاعد كأنّه أنين،
ورجالٍ سقطوا،
ودماءٍ سالت حتى صار اللون الأحمر لغة المكان.
الموت كان سيّد اللحظة،
والسبي بدأ يرسم ملامحه القاسية،
قيودٌ تلتف حول معاصم صغيرة،
وأحبالٌ تربط ما تبقى من الكرامة المثقلة بالفقد.
وفي قلب هذا المشهد…
وقفت زينب،
ليست ككل النساء،
بل كجبلٍ يخفي في صمته زلازل الألم.
تلملم بقايا الجراح،
تجمع شتات الروح،
وتخيط بالصبر ما مزّقته الفاجعة،
لتكون القوّة حين انهار كل شيء.
وبجانبها…
إمامٌ مريض،
انحنى ظهره لا من السقم فقط،
بل من ثقل المصاب،
يسير مع السبايا،
عيناه تحملان ما لا يُحتمل،
وقلبه يمضي مثقلاً بوصايا الدم.
تعثّرت الخطى…
فالحديد أثقل من أن يُحمل،
والألم أعمق من أن يُقال،
يسيرون في دروب الوحشة،
حيث لا ظلّ إلا للحزن،
ولا طريق إلا عبر الأسى.
وأمامهم…
ترتفع الرؤوس على الرماح،
وجوهٌ كانت بالأمس حياة،
أصبحت اليوم رايات وجع،
تلوّح في الأفق،
كأنها ترسم طريقًا لا يُسلك إلا بالدم،
طريقًا لشهادة…
ليس بعدها شهادة.
ذلك الصباح…
لم يكن له شروق،
لأن النور كان قد سقط على الثرى،
واختار أن يبقى هناك…
حيث كُتب الخلود بالدم

صباح.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!