روي عن الإمام الصادق "عليه السلام": ((مَنْ مَلَكَ نَفْسَهُ إِذَا رَغِبَ، وَإِذَا رَهِبَ، وَإِذَا اشْتَهَى، وَإِذَا غَضِبَ، وَإِذَا رَضِيَ، حَرَّمَ اللهُ جَسَدَهُ عَلَى النَّارِ)). (وسائل الشيعة، الحر العاملي، ج١٥ ص١٦٢، كتاب (الجهاد)، أبواب (جهاد النفس وما يناسبه) الحديث 8. إنَّ الحديث الشريف يؤكد على عظمة جهاد النفس وآثار ذلك على السلوك والتصرفات الفردية والاجتماعية، ويبيِّن أنَّ الجهاد الحقيقي للنفس يؤدي إلى أنْ تكون النفس تحت تصرُّف صاحبها، منقادة له، غير معترضة أو تتحدى من أجل تحقيق رغباتها المختلفة بأي أسلوب من الأساليب المرضية وغيرها، أو المشروعة وغيرها، وهذا ما عبَّر عنه الحديث بـ(المِلك لها) في الموارد (الخمسة) المهمة المذكورة، مع بيان الحديث عظمة آثار ذلك يوم القيامة وهو (النجاة من النار)، وهذا هو في الواقع فوز كبير للنفس في ميدان الجهاد في الحياة الدنيا، وفيه قال تعالى: ((كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ)) [آل عمران: 185]. وإنَّ في الحديث رسالة واضحة وصريحة إلى ضرورة الوصول بالنفس إلى درجات تكاملها في جهادها الأكبر، وهو أنْ تكون بحالة الاطمئنان في تصرفاتها مع جميع الحالات التي تكون فيها، وهذا يحتاج إلى معرفة ويقظة بعد جهاد كبير دائم، فيكون جهادها (مستقرًّا) وليس (مستودَعًا) يمكن التخلِّي عنه في حال معيَّن، والاطلاع على تلك الحالات الخمس يظهر مدى شدة الأمر على صاحبه، ولكن عليه أنْ يتَّخذ من سيرة الأنبياء والأئمة "عليهم السلام" أسوة حسنة. ويمكن بيان الآتي من الحديث إيجازًا: 1- الحالة الأولى التي أكد عليها الحديث هي (الرغبة)، ورغبة النفس الإنسانية لما تحبُّه وتصبو إليه أمر طبيعي فطري، ولكنَّ النفس التي لم يتم تهذيبها وجهادها تحاول تحقيق رغباتها مطلقًا، ولا تراعي في ذلك ما يتعلق بطاعة الله أو معصيته، وهذا حال النفس الأمارة، بل اللوامة كذلك، فيجب أنْ تكون الرغبة موافقة لأوامر الله تعالى من خلال المعرفة والمجاهدة. 2- والحالة الثانية التي أكد عليها الحديث هي (الرهبة)، ويجب على المؤمن أنْ تكون غاية رهبته من الله تعالى، وأنْ يعيش الحياة بين يدي الله تعالى، مراقبًا له في السر والعلن، وتكون الرهبة من أي موقف لا يؤدي فيه حق العبودية الحقيقية، أما إذا واجهه أمر في رهبة لغيره تعالى فعليه أنْ يتعامل معه بكُلِّ طمأنينة، وعدم إفراط النفس فيها، فالمجاهد لا يتعامل مع الحدث إلا بالحكمة، فيحول بين رهبته وارتداد نفسه، أو حدوث شكوك فيها. وهذه الحالة الثانية والأولى (الرهبة والرغبة) كانتا من أعظم حالات المقرَّبين من الله تعالى، قال عز وجل في بيان حال نبيه زكريا "عليه السلام" وزوجه: ((فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ)) [الأنبياء: 90]. 3- والحالة الثالثة التي أكد عليها الحديث هي (الشهوة)، وهذه أيضًا من المواضيع الفطرية، والحاجة النفسية عند الإنسان، والتي قد تكون أحد أسباب انحرافه وضياعه وابتعاده عن الله تعالى إنْ لم يتم التعامل معها على وفق ضبط النفس وحاجاتها المادية والمعنوية، فلعله يشتهي طعامًا أو مالًا أو مسكنًا أو زوجًا جاهًا أو غير ذلك مما يعدُّ ضروريًّا وبحاجة إليه، ولكن نفسه الأمارة أو اللوامة تؤدي به إلى التعدي على أوامر الشريعة المقدسة لأجل تحقيقها، فعلى المؤمن المجاهد أنْ يحذر ذلك وعواقبه، بل ينظر إلى مدى تفانيه في تقوى الله تعالى فينال ذلك الثواب العظيم لأصحاب اليمين ((كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ)) [الحاقة: 24].
4- والحالة الرابعة التي أكد عليها الحديث هي (الغضب)، وهذه أيضًا من الحالات المهمة التي يجب الحذر منها تمامًا؛ حيث استغلال الشيطان للإنسان في حالة الغضب، والتعدي على الآخرين بقول أو فعل، بل قد يكون هذا الأمر مع أهل بيته من زوجة أو أولاد وتكون نتيجة ذلك زعزعة العلاقة الأسرية، بل قد يكون أعمق من ذلك فيؤدي إلى مشاكل كبيرة تكون نتيجتها الطلاق، وما في ذلك من اعتداء على حرمات الله عز وجل، وقد حذَّرت الروايات الشريفة كثيرًا من هذه الحالة، فالمؤمن المجاهد هو الذي يملك نفسه في هذه الحالة ويجعل نصب عينيه تعاليم الله تعالى، فيكون تصرفه قائمًا على الحكمة والموقف الحسن. بل لا يجعل للغضب موردًا في قطع العلاقات الأسرية أو الاجتماعية ((وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ)) [فصلت: 34]، فالغضب أو الإفراط به يؤدي إلى الظلم في كثير من الأحايين، وهذا ما حذَّر من النبي في وصيته للإمام علي (عليهما السلام) كما ورد في الحديث السابع من هذا الباب قوله: ((يَا عَلِيُّ أَفْضَلُ الْجِهَادِ مَنْ أَصْبَحَ لَا يَهِمُّ بِظُلْمِ أَحَدٍ)). 5- والحالة الخامسة التي أكد عليها الحديث هي (الرضى)، وهذه من الحالات التي تحتاج إلى مراقبة شديدة للنفس؛ حيث قد تزيِّن لصاحبها أنها تؤدي جميع الحقوق التي عليها، وأنها في حالة من الكمال، وفي غنى عن المراقبة والمحاسبة والمتابعة، بل والنصيحة من الآخرين، فيكون الغرور سبيلًا للشيطان من حيث لا يعلم الإنسان، فالمؤمن المجاهد هو الذي يرى نفسه في تقصير تجاه المولى دائمًا؛ لأنَّ النِّعَم الإلهية عليه عظيمة لا تعد ولا تحصى ((وَآَتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ)) [إبراهيم: 34] وهذا يوجِب عليه الشكر الدائم لإدامة هذه النعمة وزيادتها وعدم الحرمان منها ((وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ)) [إبراهيم: 7]، وهذه الحالة تحتاج إلى يقظة تامة. أخيرًا .. إنَّ هذه الأحاديث هي من عيون الحكمة المحمدية في بناء الشخصية الإسلامية، وتحصينها من الضلال المادي والمعنوي، ويجب علينا معرفة ذلك وبذل الجهد للعمل بها؛ لنتمكن من (مِلك أنفسنا) والوصول بها إلى تزكيتها وطهارتها ففي ذلك الفوز والفلاح .. تحياتي

التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!